اصطدمت مساعي النظام القطري في هروبه من الأزمة الراهنة  بجدار الفشل، حتى يمكن القول أنه استنفذ كافة الطرق والبرامج التي وضعت بأياد إخوانية وإيرانية وتهدف إلى تثبيت الموقف القطري في رفض مطالب الدول الداعمة لمكافحة الإرهاب، ولم يعد لديه بعد استهلاك كافة الحيل الدبلوماسية والتآمرات السياسية والفبركة الإعلامية سوى الانصياع إلى مطالب الدول المقاطعة، ولا شك أن القصر الأميري في الدوحة وفقا لآخر التقارير والتطورات الداخلية وزيادة عزلته الخارجية بات أوهن من بيت العنكبوت.

حاصر النظام القطري نفسه في مثلث من الأزمات يضيق عليه مع زيادة تعنته في رفض مطالب الرباعي العربي، فهو من ناحية يعاني من عزلة دولية تتصاعد تدريجيا في ظل استمرار الكشف عن سياسات الدوحة التخريبية في دول المنطقة والعالم ودعمه للجماعات الإرهابية، ومن ناحية ثانية تتفاقم حدة الأزمات الداخلية لما تتعرض له الدوحة من خسائر مالية كبيرة وارتفاع للأسعار وتعرض الأمن الداخلي لمخاطر كبيرة قد تفجر غضب الشعب القطري في أي لحظة، ومن ناحية ثالثة فإن مقاطعة السعودية والإمارات والبحرين ومصر لقطر وضعت نظام الحمدين في قيود سياسية واقتصادية تضيق عليه تدريجيا إذا ما استجاب للمطالب العربية والخليجية.

وفي دراسة متعمقة لحقيقة هذه الأزمات من كافة النواحي خاصة السياسية والاقتصادية وتداعياتها وانعكاساتها على الداخل القطري، وما تصدره التقارير من خسائر وانكسارات للمحاولات القطرية في التهرب من الأزمة، يسدل الستار عن حقائق بدأت تتكشف حول عدم قدرة النظام القطري على مزيد من التعنت على مواقفه الداعمة للإرهاب، وبتحليل المواقف والتطورات على صعيد هذه الأزمة، بعيدا عن الفبركات الإعلامية والتصريحات الشعبوية التي تصدر عن قادة النظام القطري وما تروج له قناة الجزيرة والصحف القطرية، فإن الأزمة الراهنة لا بد أن تسير في أحد السيناريوهات الثلاثة، أضعفها استمرار الأزمة لوقت أطول، وهذا السيناريو بات شبه مستبعد لضعف الأطراف التي يحتمي بها النظام القطري وعلى رأسها النظام الإيراني وجماعة الإخوان المسلمين، مع صعوبة في تفادي خطر انهيار أو إسقاط النظام من الداخل في ظل تدهور الأوضاع.

وما بات أقرب إلى الواقع حاليا هو اضطرار النظام القطري للاستجابة لمطالب الدول المقاطعة، خوفا من السيناريو الثالث الذي لا ترغب به كافة الأطراف الداعمة للدوحة، وهو سقوط النظام القطري أو تغييره، خاصة بعد ما تردد من تقارير وأخبار تتعلق بتزايد المعارضة الداخلية وعلى مستويات سياسية وعسكرية عالية ترى أن التعنت القطري سيجلب الدمار والخراب للبلاد.

سيناريو تراجع النظام القطري عن مواقفه العدائية تجاه الدول العربية والخليجية، واستجابته للمطالب، بات أقرب الآن بعد دخول المقاطعة شهرها الرابع، حيث أدرك النظام في الدوحة صعوبة الاستمرار على موقفه رغم الدعم الإيراني والإخوان الذي لم يجد نفعا بسبب ضعف الجهات الداعمة، والأهم أنه أصبح على يقين أن استمرار المقاطعة يقود إلى فرض مزيد من العقوبات السياسية والاقتصادية، وأن الدول المقاطعة ستتخذ إجراءات تصعيدية قد تصل إلى حد اللجوء إلى مجلس الأمن لإحالة قضية قطر إلى المحكمة الجنائية الدولية، بعد الكشف عن الوثائق الجديدة التي قدمتها البحرين وتثبت فيها تورط قطر في الأحداث التي شهدتها المنامة عام 2011، وكذلك العديد من الوثائق التي تمتلكها دولا أخرى مثل مصر وليبيا وتونس وغيرها تثبت دعم قطر للجماعات الإرهابية وزعزعة أمن واستقرار المنطقة، إضافة إلى أن استمرار المقاطعة سيكبد الاقتصاد القطري خسائر فادحة في عدة قطاعات، خاصة القطاع المالي والجوي والإنشاءات، مع زيادة في أسعار السلع وقلة الناتج المحلي وتراجع القيمة الشرائية للريال القطري، واحتمالية سحب مونديال كأس العالم 2022 من قطر.

هذا الخيار لن يكون بقرار قطري منفرد، بل ستشارك فيه إيران وتركيا وتنظيم الإخوان، لعلمهم جميعا أن استمرار المقاطعة والتصعيد سيؤدي إلى تغيير النظام القطري، وإن مواجهة هذه الأطراف للدول العربية المقاطعة على الساحة القطرية ستكون خاسرة لا محالة، لذا من الأفضل انقاذ النظام القطري وإجباره على الخضوع تلاشيا للسقوط.

مركز المزماة للدراسات و البحوث

5 سبتمبر 2017