فضحت المواقف الإيرانية تجاه الأزمة القطرية الراهنة عدة حقائق لا تستطيع طهران إنكارها أو تغطيتها بدبلوماسية روحاني وظريف الضاحكة، ولا شك أن هناك أمور غابت عن النظام الإيراني في مراوغته ومساعيه في تغطية ازدواجية سياسته الخارجية والداخلية، ففي حين يصرح وزير خارجية روحاني جواد ظريف خلال استقباله السفير القطري في طهران أن بلاده تعارض أي نوع من الضغوط أو التهديدات على دول الجوار، يخرج قادة متطرفين إيرانيين نافذين في صناعة القرار السياسي والعسكري أكثر من روحاني وظريف ويصردون التهديدات لدول الجوار نفسها التي ادعى ظريف بأن بلاده لا تقبل توجيه أي تهديد لها ، ومنها ما تنطع به قبل فترة قليلة أمين مجلس تشخيص مصلحة النظام الإيراني والقائد السابق للحرس الثوري “محسن رضائي” عندما أساء لدولة الإمارات التي سبقت بلاده قرون من الزمن ليدعي أنها برج من ورق ينهار بدون صورايخ.

لقد كشف حجم هذا التناقض الصريح ازدواجية السياسة الإيرانية في المنطقة، وأكد أن السلوك الإيراني التخريبي في المنطقة  خارج عن دبلوماسية وصلاحيات الرئيس الإيراني “حسن ورحاني” وحكومته، التي طالما ادعت أنها تسعى إلى تحسين العلاقات مع دول الجوار، ولم نر أي تنفيذ فعلي لتلك التصريحات على أرض الواقع، بل أن السلوك الإيراني متناقض تماما مع ما يدعيه ويصرح به روحاني وفريقه.

التناقض الآخر بات جليا في المواقف الإيرانية تجاه الأزمة القطرية بشكل عام، إذ حاول الإعلام الإيراني وحكومة روحاني خاصة بداية الأزمة أن يصور الدولة على أنها تتبع سياسة الحياد تجاه هذه الأزمة وأعلنت عن استعدادها للوساطة ودعم الحوار لإيجاد حل لها، في حين أعلنت جهات إيرانية نافذة دعمها للدوحة ومدها بكل ما تحتاجه للثبات على مواقفها ضد الدول العربية المقاطعة، وتبنى النظام الإيراني سياسة سلبية للغاية في تعامله مع الأزمة الراهنة من خلال استغلالها من الناحية الاقتصادية والسياسية وأيضا العسكرية، وسارعت طهران إلى فتح قنوات محادثات مكثفة مع الدوحة لمدها بالمحاصيل وتأمينها بما تحتاجه من مواد وسلع، وأرادت من ذلك دعم المواقف القطرية الراعية للإرهاب وإبعادها عن الدول الخليجية وتشويه صورة الدول العربية المقاطعة والإيحاء بوجود حصار تفرضه على قطر.

ومن منفذ تقديم المساعدات لقطر دخلت المخططات الإيرانية العسكرية والأمنية، وتحدثت التقارير عن وجود عناصر من الحرس الثوري في قطر لغايتين: الأولى حماية النظام القطري من أي ثورة داخلية، والثانية بهدف تدريب القوات القطرية العسكرية والأمنية ومساعدة النظام القطري استخباراتيا وإعلاميا في تعامله مع الأزمة من خلال وضع الخطط ورسم سياسات الدوحة تجاه هذه الأزمة، وقد كشف تطابق الإعلام الفارسي مع وسائل الإعلام القطري حجم سيطرة الحرس الثوري على مؤسسات النظام القطري وخاصة الإعلامية، حيث وجد الإعلام الإيراني والقطري هذه الأزمة مادة خصبة ومساحة واسعة يمكن من خلال التحريف والتزوير فيها تشويه صورة الدول المقاطعة وعلى رأسها السعودية والإمارات.

وهناك مخطط إيراني بالفعل لانتزاع قطر عن الجسد العربي بما يصب في مصلحة إيران والإخوان، غير أن مؤشرات فشل هذا المخطط قد بدأت تظهر بشكل واضح، ولم ولن تستطيع إيران أن تكون بديلا لقطر من الدول العربية لأسباب عديدة أهمها أن إيران تعاني من المشاكل بشكل متزايد يفقدها القدرة على معالجة مشاكل غيرها، إضافة إلى تزايد الرفض والمعارضة القطرية الداخلية والخارجية على موضوع التدخل الإيراني السلبي في الأزمة ومحاولته تفريس الدولة العربية قطر، والأهم أن الدول العربية والمجتمع الدولي لن يسمح لإيران بمزيد من التدخلات السلبية، حتى لو اقتضى الأمر التعامل معها عسكريا وهو ما سيكون بداية نهاية النظام الإيراني والقطري معا.

مركز المزماة للدراسات و البحوث

12 سبتمبر 2017