أصبحنا على مقربة من تشييع جثمان الاتفاق النووي الذي ولد ميتا، ولا تزال الحكومة الإيرانية تلهث وراءه وتدعي تمسكها به وسط انتقادات وانقسامات شديدة بين التيار الأصولي وحكومة روحاني، كونه العمل الوحيد الذي يسجل لحكومة روحاني على أنه إنجاز، وتسعى للمحافظة عليه كون أن نهاية عمرها سيكون مع نهاية عمر هذا الاتفاق الذي أصبح على مقربة جدا، بعد تشديد العقوبات من قبل الولايات المتحدة على طهران والتي كان آخرها تصويت مجلس النواب الأميركي على حظر بيع الطائرات لطهران، والتي اعتبرته الأخيرة انتهاكا صريحا لنصوص الاتفاق النووي، وتلقاه رموز التيار المتشدد باعتباره دليل على فشل حكومة روحاني ليتخذوا ذلك سلاحا آخر لمهاجمة روحاني وفريق عمله.

ومن الواضح أن الأشهر القليلة القادمة ستكون حاسمة لمسار الاتفاق النووي، ومن المؤكد أن الإدارة الأميركية قد وضعت استراتيجية شاملة لكيفية التعامل مع كافة الأنشطة الإيرانية التخريبية، بحيث ستكون أشد صرامة ضد السلوك الإيراني المزعزع لأمن واستقرار المنطقة، وتدخلاتها عن طريق ميليشياتها ووكلائها من الجماعات المتطرفة في العراق وسوريا ودعمها للجماعات الإرهابية، وفي الحقيقة فإن لدى الولايات المتحدة والمجتمع الدولي عدة أهداف من وراء تشديد العقوبات على النظام الإيراني، أهمها إفشال مخططها النووي العسكري وكبح برامجها للصواريخ الباليستية ووقف دعمها للإرهاب، وهذا يعني أننا سنكون أمام مرحلة جديدة من مراحل سقوط النظام الإيراني.

إن المجتمع الدولي على يقين تام بأدلة دامغة أن إيران وعن طريق الحرس الثوري قد انتهك الاتفاق النووي بالفعل منذ الشهر الأول، واستمرت الحكومة الإيرانية بالتلاعب والمراوغة لإطالة الوقت فيما تسميه بانتهاك الولايات المتحدة لروح الاتفاق، بينما هي في الحقيقة قد انتهكت أدق تفاصيل الاتفاق النووي وسط لامبالاة من قبل إدارة باراك أوباما السابقة، ويمكن اختصار أدلة انتهاك إيران للاتفاق النووي استمرارها في اختبار صواريخها الباليستية، ورفضها الشديد والقاطع لتفتيش مواقعها العسكرية التي يشتبه بأنها تختبر تجارب نووية فيها وسط تكتم شديد يشرف عليه الحرس الثوري وأجهزة استخباراته، وترى الوكالة الدولية للطاقة الذرية أنه يحق لها أن تفتش كل مكان في إيران طالما هناك شكوك لدى الوكالة باحتمالية أن يحتوي على أعمال نووية، بما فى ذلك كافة المواقع العسكرية، وطالما أن إيران أكدت أكثر من مرة أن الولايات المتحدة قد انتهكت الاتفاق النووي فلماذا إذن لم تنسحب منه، إن كانت هي قد التزمت بالفعل ببنود الاتفاق النووي؟

إن الصدمة التي تلقتها إيران كانت موجعة بعد أن أكدت الوكالة الدولية أن الجيش الإيراني والحرس الثوري والمواقع العسكرية ستتعرض للتفتيش، وسيزور المفتشون الدوليون كل المنشآت والمباني والثكنات العسكرية بلا استثناء، ومع إصرار طهران على رفض ذلك تكون قد أدخلت نفسها في متاهة وأصبحت أمام استراتيجية أكثر صرامة من قبل المجتمع الدولي، لا سيما بعد نشر العديد من التقارير حول وجود تعاون بين إيران وكوريا الشمالية فى مجال الصواريخ والأسلحة النووية.

إن أهم ما ستنتجه الاستراتيجية الشاملة التي عزم المجتمع الدولي على تنفيذها للضغط على النظام الإيراني هو توافق رؤية الداخل الإيراني مع المجتمع الدولي في ضرورة وضع نهاية لسياسات النظام القائم في طهران، وأن استمرار هذا النظام أصبح من المستحيل لإصراره على التخريب ودعم الإرهاب في الخارج وقمع الشعوب في الداخل، وهذه الدعوات ستجد أذانا صاغية في الداخل الإيراني خاصة وسط الشعوب المضطهدة وأنصار التيار الإصلاحي الحقيقي الذي يقوده كروبي وموسوي القابعين تحت الإقامة الجبرية.

ورافق الرفض الخارجي لسياسة النظام الإيراني رفض داخلي أشد صرامة تجاه النظام الإيراني، بعد أن تسببت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الحالية في تضخم الهوة الطبقية في صفوف الشعب الإيراني وارتفاع معدلات البطالة والفقر وانتشار الفساد …، ما دفع فئة كبيرة من الشعوب الإيرانية إلى المطالبة بالحقوق المدنية والعدالة الاجتماعية صراحة في ظل الاستياء وفقدان الأمل من النظام الحاكم.

مركز المزماة للدراسات و البحوث

17 سبتمبر 2017