عرضت جماعة «الإخوان المسلمين» نفسها، طوال العقود الأربعة الماضية، على أنها مختلفة عن الجماعات والتنظيمات الجهادية التي تميل في الفكر إلى التسلُّف، وفي الحركة إلى العنف، وفي التفاعل إلى التمايز لا التماثل مع المجتمع.. لكن بينما كانت الجماعة ترسل شخصيات منها لتنفتح على المجتمع العام والقوى المدنية وجماعات المثقفين، كانت تفتح كل الأبواب لسيطرة الفكر القطبي وللمجموعات المنحدرة من التنظيم الخاص، والتي كانت تميل إلى التسلف وممارسة العنف وإعلاء قيمة خطاب سيد قطب ومركزيته في حياة «الإخوان».

بتلك الملاحظة الدقيقة يبدأ الكاتب والباحث في علم الاجتماع السياسي الدكتور عمار علي حسن كتابه الذي نعرضه هنا، وعنوانه «جماعة الإخوان والتنظيمات الجهادية.. قراءة في المشتركات الفكرية»، ثم ينقل عن الدكتور رفعت السعيد الذي درس تاريخ «الإخوان المسلمين» وأفكارهم دراسة وافية، قوله: «لقد كان لجماعة الإخوان، وعلى الدوام، خطابان، خطاب معلن، وهو ذلك الخطاب الوديع والهادئ، وهو ما تقوله الجماعة علناً، وخطاب يتردد سراً، في أغلب الأحيان، ويختص به الجهاز السري للجماعة المسمى التنظيم الخاص».

وانطلاقاً من هذه الازدواجية في صورة وفي خطاب «الإخوان»، يلقي الدكتور عمار نظرة عامة على أوجه الاتفاق والافتراق بينهم وبين التنظيمات الجهادية، موضحاً أن التشابه القوي بين الجانبين يعود في منشئه إلى أن جماعة «الإخوان» نقلت فكرة «الإحياء الإسلامي» من تنظير لم تكن معالمه قد استقرت بعد، إثر ما قاله وفعله جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، إلى تنظيم، ومن ثم فتحت الباب أمام ما يسمى «الإسلام الحركي» الذي ارتبط بمشروع السلطة السياسية، من خلال منازعة أهل الحكم على الشرعية، ورفض الدولة المدنية الحديثة أياً كانت صورتها؛ قومية أم وطنية. ومن هنا تعد جماعة «الإخوان» أصل كل الجماعات الجهادية الموزعة على الساحة الإسلامية رغم تعدد أسمائها، ووجود بعض الاختلافات في تصوراتها وعلاقاتها بالوسط الاجتماعي الذي تعيش فيه.

لذلك، يقول المؤلف، لم يكن قيام التنظيمات الجهادية، التي مارست العنف، بعيداً عن التفاعل مع جماعة «الإخوان»، مرةً بالانشقاق عنها واتهامها بالتخاذل والتكاسل والبطء والتفريط في «صحيح الإسلام» لحساب الهدف السياسي، ومرة بمحاولة منافستها بوصفها «الجماعة الأم» و«التنظيم الأساسي» صاحب الإمكانات والقدرات، ومرة أخرى تأثراً بالطور الأخير للجماعة كما وضع بصمته سيد قطب. وفي تلك الحالات كلها كانت جماعة «الإخوان» تسعى دوماً إلى إقناع هذه التنظيمات المتشددة المنفصلة عنها بضرورة العمل تحت عباءتها.

كما يسجل المؤلف حدوث هجرة عكسية أو متبادلة بين تلك التنظيمات وجماعة «الإخوان»، فبعض القادة الجهاديين كانوا أعضاء في «الجماعة»، والمثال الأبرز على ذلك «شكري مصطفى» الذي أسس «جماعة المسلمين» المعروفة أمنياً وإعلامياً في مصر باسم «التكفير والهجرة»، و«صالح سرية» مؤسس تنظيم «الفنية العسكرية». وبعض من كانوا في التنظيمات الجهادية، خاصة «الجماعة الإسلامية» التي أسست في مصر خلال سبعينيات القرن العشرين، دخلوا جماعة «الإخوان» أفواجاً على يد عبدالمنعم أبوالفتوح، والذي يعده بعضهم المؤسس الثاني لـ«الإخوان» بعد حسن البنا.

ويعتقد الدكتور عمار أن «الإخوان» تعمدوا عدم ربط أنفسهم ببرنامج اجتماعي محدد، لأن في ذلك خطراً عليهم أولا ولأنهم ثانياً يريدون أن تظل الحدود بينهم وبين التنظيمات الدينية المسيسة الأخرى مائعة ومفتوحة، أو أشبه بمسارب صغير تتلاقى لتوسع لهم الطريق الذي يمضون فيه. ذلك أن جماعة «الإخوان» نظرت دائماً إلى هذه التنظيمات بوصفه فناءً خلفياً لها، وورقة ضغط توظفها ضد السلطات الحاكمة متى ما أرادت ذلك.

لذلك، ورغم كل ما يتم تداوله من حديث حول تنوع الجماعات والتنظيمات الدينية السياسية، فإن الدكتور عمار يؤكد وجود توافق شديد بين هذه الجماعات حول الغايات الكبرى، وحول الوسائل التي تستخدمها أحياناً.

وعلى العموم فإن التصور الفكري للجماعات الدينية السياسية، كما يوضح الكتاب، يتمحور حول ثلاثة مطالب مشتركة: أولها الدعوة إلى استعادة نفوذ الإسلام وسلطته في العالم، وثانيها إقامة «دولة إسلامية حقيقية» تكون فيها الحاكمية لله وحده، وثالثها جواز استخدام كل الوسائل والأساليب لإقامة مثل هذه الدولة. وهي مطالب من شأنها تحويل الإسلام إلى «مشروع سياسي»، مما يشكل خطراً على الدين والدولة معاً.

أما الأفكار المشتركة بين جماعة «الإخوان» والتنظيمات الجهادية على الخصوص، فيذكر المؤلف منها: فكرة «الحاكمية» التي تمثل فكرة مركزية في أيديولوجيا الإسلام السياسي والجهادي معاً، ثم فكرة «العصبة المؤمنة» كتفسير لمقولة «الفرقة الناجية» أو «جماعة المسلمين» (والتي أفضت إلى توهم الاصطفاء والاستعلاء لدى «الإخوان» والجهاديين إزاء باقي المسلمين الآخرين)، إلى جانب «أستاذية العالم» التي هي فكرة إخوانية تعني السيطرة على العالم بأسره.

وبطبيعة الحال فإن مسار الجماعات الدينية السياسية ومصيرها وطبيعة علاقاتها المتبادلة البينية، لا يرتبط بأفكارها وقدراتها الذاتية التي تمكنها من تعبئة قطاعات جماهيرية حول خطابها وتصوراتها وممارساتها فحسب، وإنما تتفاعل وتتشاكل مع تحولات السياقين الاجتماعي والسياسي اللذين تعيش فيهما، مما يجعل للبعد الخارجي تأثيراً قوياً في هذه الجماعات، وهو ما يشرحه المؤلف ويتوسع في شرحه.

محمد ولد المنى

الكتاب: جماعة الإخوان والتنظيمات الجهادية.. قراءة في المشتركات الفكرية

المؤلف: د. عمار علي حسن

الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية

تاريخ النشر: 2017

رابط المقال في جريدة الاتحاد: «الإخوان» والجهاديون.. مشتركات التطرف