أصدر عادل حمودة كتابه الجديد «الصلاة في جزيرة الشيطان ملفات اللعبة واللعنة ببصمات قطرية»، عن مؤسسة أخبار اليوم، وحمودة كانت لديه تجربة خاصة في قطر، فحين طلب الكاتب المصري كمال عزب منه السفر إلى الدوحة، للمساهمة في تطوير جريدة «الراية» التي كان يديرها عزب، في مارس/‏ آذار سنة 1995، ذهب حمودة بالفعل لإعادة ترتيب أقسام التحرير في الصحيفة، ورسم بنفسه «الماكيت» الجديد لها، بعد أن فقدت كثيراً من بريقها وقرائها، وكانت «الدوحة» في ذلك الوقت -كما يقول حمودة – مدينة صغيرة متواضعة، ليس فيها مبان مميزة سوى فندق شيراتون، الذي بني على شكل سفينة تطل على الخليج.
يقول حمودة: «بعد ثلاثة أيام من العمل المتواصل أنهيت مهمتي رافضاً تلقي ريال واحد، فقد كان ما فعلت أمراً بسيطاً لصديق، وهو ما جعل مسؤولاً إعلامياً شاباً من العائلة الحاكمة -أتذكر أن اسمه تامر آل ثاني- يقيم عشاء على شرفي يضم كبار موظفي وزارة الإعلام، بجانب كتاب وصحفيين وشعراء».
لكن ما حدث بعد ذلك أن حمودة تلقى اتصالاً مريباً يطلب منه أن يلتقي في سويسرا بشخصيات سياسية قطرية، سيكون لها شأن كبير، وفي حال الموافقة يمكن مساعدة روزاليوسف بمبلغ 8 ملايين دولار، يقول حمودة: «صدمت من جرأة عرض رشوة بهذا الحجم، وبتلك السهولة، من دون أن أتوقع أنني يمكن أن أكون جزءاً من ترتيبات الانقلاب، الذي كان يدبر ضد حاكم قطر الشيخ خليفة من أقرب الناس إليه: ابنه وولي عهده، وبعد أشهر عدة، وبالتحديد في 27 يونيو/‏حزيران من العام نفسه، وقع انقلاب حمد بن خليفة على والده خليفة بن حمد، وبالتالي فإن تلك الرشوة كانت دعوة مدفوعة الثمن لتساند روزاليوسف الانقلاب فور وقوعه».
ويشير حمودة إلى أنه في فجر ذلك اليوم ودع حمد والده وهو مسافر، ليقضي الصيف كما تعود في أوروبا، واصطحب حمد معه إلى المطار شيوخ القبائل ورموز العائلات، وبعد أن أقلعت طائرة الأب عاد كبار رجال الدوحة مع حمد إلى قصر الحاكم، وكان في انتظارهم كاميرات تلفزيونية، صورت الجميع، وهم يصافحونه في حالة رضاء ظاهر، ثم فوجئوا ببيان يبث عبر التلفزيون الوطني يعلن استيلاء حمد على الحكم، وبث شريط الكبار وهم يصافحون حمد -بعد نزع الصوت- فبدت الصور المتتالية الصامتة، كأنها تأييد للانقلاب، في خديعة جديدة من نوعها.
وصف ذلك الانقلاب ب«الانقلاب التلفزيوني»، وبنجاح الكاميرات في تغيير النظام أدركت قطر أهمية الصورة في إدارة سياستها الداخلية والخارجية، وهكذا ظهرت قناة الجزيرة لتلعب دورا موجهاً ومؤثراً وضاغطاً ومساوماً، ولتقلب المعادلة: فلو كان كل دولة لها قناة فإن «الجزيرة» قناة لها دولة، واختار حمد أن تكون الجزيرة شركة خاصة، متصوراً أن ذلك يبعد قطر عن مسؤولية ما تبثه، وكان الوحيد الذي يمكن أن يستقبله حمد من دون موعد هو مدير الجزيرة، ولم يكن انقلاب حمد على خليفة أمراً غريباً، فخليفة نفسه حصل على الحكم بانقلابه على ابن عمه أحمد بعد عام من استقلال قطر 1971 وتوالت الانقلابات حتى إن موزة أجبرت حمد على التنازل لابنها تميم عن الحكم.
يقول حمودة: «الحقيقة أن حمد شخصية خفيفة يصعب على كل من يلقاه الشعور بأنه يستحق منصبه، وكان هذا انطباعي يوم قابلته في الكويت»، وكان ذلك اللقاء في مقر إقامته في الكويت أثناء القمة الخليجية، وكان تامر آل ثاني في ذلك الوقت مستشاراً سياسياً وإعلامياً للأمير، وكان ومن معه يحاصرون حمد بالتدخل في الإجابات عن الأسئلة الصحفية خشية أن يتورط في ما يؤخذ عليه، أو يكشف ضحالته، ونشر حمودة مقاطع من الحوار في كتابه هذا، وأضاف إليه كواليس ما دار من حوارات جانبية، ومنها الحديث عن انقلاب دبره الأب المخلوع ضد حمد واتهمت مصر بتدبيره.
سأل حمودة اللواء محمد عبد السلام الذي كان مديراً للخدمة السرية المسؤول عن العمليات الخارجية وقتها: هل قامت مصر بمحاولة انقلاب لإعادة الشيخ خليفة إلى الحكم؟ فنفى نفياً قاطعاً، مضيفاً: «لو قمنا بانقلاب لكان قد نجح»، وقال: «لقد غررت قوى خارجية على صلة بحمد بن جاسم بالشيخ حمد بن خليفة، وحرضته على إطاحة والده بعد أن أقنعته بأنه يمكن أن يكون عبد الناصر آخر، من دون أن يستوعب الفرق بينه وبين عبد الناصر، فعبد الناصر حرر الدول المستعمرة، وحمد فتت الدول المستقرة، وأقنعوا حمد بن خليفة بأن قناة الجزيرة يمكن أن تلعب الدور الذي لعبته إذاعة صوت العرب، فمنحوها كل ما يمكن من أموال وخبرات لكنها خسرت سياسياً ما كسبته إعلامياً».
وباتهام مصر بتدبير الانقلاب، انتقل ملف قطر إلى الراحل عمر سليمان الذي كان سهلاً عليه -كما يقول حمودة – معرفة أن زوجة حمد هي مركز القوة الوحيد في قطر، وأنها بالفعل قادرة على «كرش» حمد من الحكم، وهو ما حدث فيما بعد بتعيين ابنها تميم أميراً، وكان من يلعب دور الوساطة بينها وعمر سليمان شقيقها الضابط الذي درس في الكلية الحربية المصرية وقت أن كانت عائلتها منفية في مصر، ونجحت الوساطة في التخفيف من التوتر بين البلدين، بل إن مبارك لبى دعوة لزيارة الدوحة، وكان العاهل السعودي الملك عبد الله قد تدخل للصلح بينهما، لكن حدث أن تدخلت سوزان مبارك لمنع اللقاء في السعودية.
ويعود حمودة إلى ما جرى في القمة الإسلامية الأمريكية التي عقدت في الرياض يوم 21 مايو/‏أيار سنة 2017 وكانت أغلبية سهام المتحدثين تتجه صوب إيران، لكن كلمة الرئيس السيسي وسعت من مساحة الرؤية، وأشارت إلى دول أخرى متورطة في نشر الإرهاب، وطالبت بشمولية الحرب عليه، فنحن أمام كارثة عالمية تتجاوز حدود اللعبة الإقليمية، وتساءل السيسي عن الدول التي تشتري البترول من التنظيمات الإرهابية، وتساءل عن الدول التي تشتري الآثار المنهوبة من العراق وسوريا وتوفر ملاذات آمنة، وتساءل عن الدول التي تقدم التبرعات المالية والتغطية السياسية والإعلامية، ويرى حمودة أن «قطر كانت مترددة بين وضع قناع الأسد، أو الظهور برأس الفأر، تضع القناع عندما تكون الغابة هادئة، متسامحة، وتخلعه عند أول زئير تسمعه، لذلك لم تكن المشكلة في الفأر لكن في الغابة التي طال سكوتها وصبرها على ما يفعل».
ويشير حمودة إلى أن شخصية خليجية أبلغت مبارك قبل التنحي أن حقائب قطرية منفوخة بالدولارات ستدخل مصر متسللة عبر أحد منافذها، فقطر ستهرب إلى مصر 500 مليون دولار لتمويل عمليات ضده، ولم يستطع وزير الداخلية منع وصول تلك الأموال التي ذهبت إلى تنظيم الإخوان، بسبب اضطراب الأوضاع الأمنية. كانت قطر متورطة في ما يجري في مصر عشية يناير الثورة، فهناك مكالمات هاتفية شارك فيها فهمي هويدي، تدعو القرضاوي للعودة إلى مصر وإلقاء خطبة الجمعة في ميدان التحرير، ليذكر العالم بعودة آية الله الخميني إلى طهران بعد نجاح ثورته.
ويؤكد «جون هانا» مساعد وزير الخارجية الأمريكي في إدارة الرئيس كارتر، أن «قطر مولت الحكومة الإخوانية الكارثية برئاسة محمد مرسي في مصر، وسعت جاهدة إلى زعزعة شرعية نظام السيسي وهز استقراره بوضعها «الجزيرة» في خدمة رموز الجماعة، كما استضافت قطر معظم المنفيين للتنظيم الإخواني في الدوحة». وحسب تقرير لقيادة أركان القوات المسلحة الأمريكية رفعته إلى الرئيس أوباما في نهاية يناير/‏كانون الثاني 2014 فإن «إسرائيل» وقطر أسهمتا في تدمير وتفتيت دول كثيرة في المنطقة العربية، ما هدد المصالح الأمريكية فيها، وقدر «مركز أبحاث الجريمة المنظمة» في صربيا قيمة الأسلحة التي مولتها قطر لحساب «داعش» في سوريا ولبنان عامي 2015 و2016 بمليار ونصف المليار دولار، ومن بين 32 ألف سيارة دفع رباعي يمتلكها «داعش» اشترت قطر 6 آلاف سيارة منها، ومن جانبها فعلت قطر المستحيل لإسقاط نظام القذافي في ليبيا، لتترك الفرصة كاملة للتنظيمات الإرهابية، كي تسيطر عليها، وتهدد مصر وتنتشر في شمال إفريقيا.
ويقول حمودة: «إن العائلة الحاكمة في قطر ضحية حلمها، حلقت بعيداً بحلمها عن الأرض، وتعذر عليها رؤية الأشياء بحجمها الطبيعي، وملمسها الواقعي، ولونها الغامق، سبحت في الفضاء الخارجي الوهمي حتى دخلت في منطقة انعدام الوزن، وباختفاء الأمير الأب حمد بن خليفة، وبعجز الشيخة موزة بنت مسند عن التصرف، وقف ابنها تميم حاكم قطر الصغير حائراً ضائعاً، وغير مستريح لما يجري حوله بعد خنق بلاده بالمقاطعة لا يقدر على فعل شيء، فقد دخل السيف إلى القلب وبات الأمر منتهياً».
ويتساءل حمودة: كم من المال يمكن أن يعوض ليبيا عن مشاركة قطر بطائرات مقاتلة في قوات حلف الأطلنطي لتدمير مواردها، وتقسيم أرضها وقتل شعبها، وبث الفوضى في ربوعها وتسكين جماعات إرهابية فيها؟ كم من المال يمكن أن يعوض البحرين عن تحريض الجزيرة على نظامها، وتقليب شعبها بإنتاج وبث فيلم «صراخ في الظلام»، الذي أسهم في اشتعال الاضطرابات هناك بما هدد بإسقاط الحكم، وتقسيم الدولة يوم 14 فبراير/‏شباط 2011 حين كان هناك 150 ألف شخص يجوبون شوارع المنامة وقد وصلوا إلى حافة حرب مذهبية.
كم من المال يمكن أن يعوض سوريا عن تبني قطر بالمال والسلاح والكلمة والصورة للتنظيمات الإسلامية المسلحة التي دمرت البلاد، وقد قدرت مصر خسائرها المادية التي تكبدتها بسبب تدخل قطر في شؤونها الداخلية منذ ثورة يناير ودعمها للجماعات الإرهابية بما لا يقل عن 300 مليار دولار، فقد ضربت السياحة بما أفقد البلاد مصدراً للعملات الصعبة، واستشهد مئات من جنود الجيش والشرطة والمواطنين الأبرياء، وهناك إنفاق يومي يقدر بالملايين على الطلعات الجوية التي تغطي السماء المصرية، إضافة إلى الإنفاق العسكري في سيناء.
هناك قائمة الطلبات التي رفضتها قطر بالطبع، لكن هذا البلد الصغير وصل إلى طريق مسدود -كما يقول حمودة – فلا الدوحة تستطيع أن تنفذ ما طلب منها، ولا تستطيع التعايش مع ما فرض عليها».
تم النشر في موقع جريدة الخليج في الرابط التالي: «جزيرة الشيطان».. لعنة الإرهاب تخترق النخاع القطري