بعد مضي أكثر من أربعة أشهر على الأزمة مع قطر، أميط الغطاء عن بعض الحقائق التي حاول النظام القطري والإيراني إخفاءها بكافة الوسائل، وبعد تتبع دقيق لتطورات الأزمة وما رافقها من كشف لعلاقات سرية واتفاقيات أمنية وعسكرية أقامتها الدوحة مع طهران منذ اندلاع الأحداث في بعض الدول العربية عام 2011، تبين بما لا يدع  مجال للشك بأن قادة إيران وقطر قد خططا لإشعال الأزمة مسبقا.

قبل اندلاع الأزمة بفترة قصيرة لوحظ انقلاب إعلامي واضح من قبل وسائل الإعلام الإيرانية وخاصة التابعة للتيار المتشدد والحرس الثوري تجاه قطر، فبعد أن كانت الصحف ووكالات الأنباء الإيرانية تعج بالتقارير والمقالات التي تؤكد إرهابية النظام القطري ودعمه للجماعات المتطرفة، انقلب الوضع وغابت لغة الانتقاد ليحل محلها لغة المغازلة والمديح الإعلامي لسياسات قطر، وفور اندلاع الأزمة سارع الإعلام الإيراني لتبني المواقف القطرية ودعمها ضد مواقف الدول الداعمة لمكافحة الإرهاب، وذلك على عكس الأزمة التي أشعلتها قطر مع دول الخليج عام 2014، حين تبنى الإعلام الإيراني وعلى لسان كبار قادة الملالي موقف حيادي لعدم ضمانه إصرار قطر على مواقفها بسبب عدم وجود اتفاقية وتخطيط مسبق لهذه الأزمة من قبل طهران والدوحة.

وقبيل الأزمة شهدت العلاقات بين البلدين تطورا نوعيا عبر عنه توقيع اتفاقيات أمنية وعسكرية، فسحت المجال أمام قوات الحرس الثوري للتواجد في الدوحة ومياهها الإقليمية، وتوجه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف قبل الأزمة بنحو شهرين إلى الدوحة، والتقى أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وأجرى مباحثات معه خلف الأبواب المغلقة، وفور عودته إلى طهران، صرح ظريف أن هدف زيارته إلى قطر، كان بناء بعض الجسور وتطوير العلاقات بين البلدين، ولكن اللافت أن ظريف تحدث في نفس الوقت عن عدم اعتقاده باحتمالية القيام بعمل عسكري ضد إيران، وهو ما يستدعي الوقوف قليلا، ويقودنا إلى تحليل وجود اتفاق بين طهران والدوحة يفيد بأن تعمل قطر على فسح المجال أمام المشروع الإيراني وتحاول عرقلة أي عمل عسكري بحكم قربها من الحدود الإيرانية، ورفضها استخدام مياهها الإقليمية وأجوائها أمام أي عمل عسكري ضد النظام الإيراني، إضافة إلى تعهد قطر بالعمل من أجل تقارب إيراني تركي إخواني، وهو ما حدث بالفعل حتى الآن، مقابل حماية إيرانية لسياسات النظام القطري وجماعة الإخوان المسلمين التخريبية، ووقوفها إلى جانب أهداف النظام القطري التوسعية.

تمكّن ثقة كل طرف بالآخر جاءت قبل اندلاع الأزمة الراهنة، وكانت منتوج اتفاقيات تآمرية بين قطر وإيران، تم افتضاح جزء منها في أكثر من منطقة وخاصة في العراق، الذي حولته إيران وقطر إلى مرتع للجماعات الإرهابية والطائفية، وكان ميدانا لاختبار الثقات بين طهران والدوحة، حيث أثبت كل طرف عزمه على المضي قدما مع الطرف الآخر في التآمر ضد الدول العربية وخاصة الخليجية، فكان دعم قطر للجماعات الطائفية التابعة لإيران في العراق بمثابة إثبات ولاء لنظام الولي الفقيه وحرسه الثوري، وبعد ذلك تم الاتفاق بين الحرس الثوري والنظام القطري على إشعال أزمة مع الدول الخليجية بحيث تسارع إيران إلى دعم قطر بكل قواها.

وما كشفته بعض المصادر السعودية من تآمرات بين قطر وإيران ضد المملكة دليل آخر على وجود مخطط إيراني قطري مسبق لإشعال الأزمة الراهنة، لا سيما فى قضية ما يسمى بـ “الصيادين القطريين” الذين ذهبوا بحجة الاستمتاع فى رحلة صيد إلى العراق، حيث أثبتت التقارير أن ذهاب الصيادين القطريين، ومنهم أفراد من آل ثاني إلى العراق كانت عبارة عن مخطط تآمري إيراني قطري يستهدف السعودية، وتم بتنسيق مسبق بين قطر وإيران ومليشيا الحشد الشعبي، وكان المخطط هو إطلاق سراح نمر النمر مقابل الصيادين، لكن هذه الخديعة أفشلتها السعودية لتعيد إيران وقطر استغلالها مرة أخرى وجعلها غطاءا لتمويل الجماعات الإرهابية التي تشكل تهديدا لأمن المنطقة، وتقول التقارير أن المرشد الإيراني علي خامنئي هو الذي  أشرف بنفسه على هذا المخطط التآمري الفاشل.

وما فعلته طهران تجاه الأزمة الراهنة منذ اندلاعها يوحي بوجود مخطط مسبق لسبل الدعم الإيراني لقطر، ولا يمكن اعتبار المواقف والإجراءات التي اتخذتها إيران لدعم قطر أن تكون وليدة اللحظة، بل أن هذه المواقف والإجراءات تؤكد وجود تنسيق مسبق بين الطرفين قبل اندلاع الأزمة.

مركز المزماة للدراسات و البحوث

25 سبتمبر 2017