كلما طال أمد الأزمة القطرية مقرونةً بعناد الدوحة وتماديها في رفض الانصياع لثوابت الأمن القومي الخليجي، يمتلك خيار عزل قطر نهائياً وتجاهلها مشروعية رسمية ومجتمعية، لأن الدول التي واجهت سياسات الدوحة الخاطئة لن تنشغل بهذا الملف أكثر مما مضى، فلديها ملفات أخرى أكثر أهمية من حماقات قطر التي فتحت أبوابها بالمجان لإيران وتركيا بدون أي تفكير استراتيجي يراعي الأولويات الخليجية التي من الخطأ تجاوزها أو القفز عليها.

النتيجة الحتمية للتقارب القطري الإيراني هي عزلة قطر نهائياً، وبخاصة بعد استقبال الدوحة الأسبوع الماضي لوزير خارجية النظام الإيراني في إطار مناكفات الدوحة لجيرانها تحت عنوان السيادة القطرية، بينما تتصرف الدوحة بشكل يتناقض مع سيادتها على قرارها بالمطلق، عندما ترتهن لطهران وتفتح أبوابها في هذا التوقيت لكبار مسؤولي نظام الولي الفقيه، بينما المنطقة تغلي بإشكالات وقلاقل وحروب أغلبيتها من صنع إيران وبتأييد ودعم معنوي وإعلامي من أجهزتها وحرسها الثوري.

تعرف قطر جيداً أن التقارب الملحوظ منذ فترة بينها وبين إيران كان أحد أبرز أسباب الخلاف والاعتراض من قبل دول الخليج الكبرى تجاه سلوك الدوحة المتخبط، الذي يتوازى فيه دعمها للإرهاب وجماعاته مع تقاربها مع إيران المنهمكة بشكل دائم في تأجيج بذور الطائفية، وتنفيذ وصايا الخميني بتصدير ثورتها وشعاراتها المذهبية التخريبية. لكن الدوحة واصلت عنادها ومضت نحو تطوير علاقاتها مع طهران، واتضح أن مجاملتها للبيت الخليجي عندما سحبت سفيرها من إيران لفترة وجيزة، كانت خطوة مؤقتة ومتفقاً عليها بين الإيرانيين والقطريين، بدليل دفء العلاقة بين الطرفين طوال الفترة الماضية وعدم احتياجهما لأي تمهيد لإعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة. فعندما سحبت قطر سفيرها من طهران أسوة بدول الخليج، كانت مضطرة لتلك الخطوة شكلياً، وبخاصة أن الاعتداء على سفارة المملكة العربية السعودية في طهران لم يكن حدثاً عابراً. بينما اتضح أن الدوحة كانت تستعد للانسحاب من محيطها الخليجي لترتمي في أحضان إيران التي وصفتها بأنها دولة شريفة!
جاءت الأزمة مع قطر بمثابة فرصة للتقارب القطري الإيراني، وما ترتب عليه حتى الآن من تبدل في السياسة الإعلامية القطرية، التي أظهرت تعاطفاً في الصياغات الإخبارية المتعلقة بعملاء إيران وتجمعاتهم وأحزابهم في المنطقة العربية. ورغم استغراب المتابعين لهذه الإزدواجية القطرية وسرعة تغيير الأسلوب الإعلامي، فإن الدوحة واصلت مغامرتها ولم تفكر في انطباع الجمهور العربي تجاه تقلباتها، وقامت قناة «الجزيرة» خلال الفترة الماضية بسلسلة تغطيات تتعاطف مع الحوثيين وتسرد تلفيقات تتحدث بخبث عن دول التحالف العربي، رغم أن الدوحة كانت إلى ما قبل اندلاع الأزمة جزءاً من التحالف، رغم رمزية مشاركتها. ثم تطور الأمر من وصف إيران بالدولة الشريفة إلى إعادة الدوحة سفيرها إلى طهران، وأخيراً استقبال وزير خارجية إيران في الدوحة، بما في ذلك من نفخ لإيران التي احتفل إعلامها بهذه الزيارة وكأن محمد جواد ظريف دخل الدوحة فاتحاً وليس زائراً!

ووفقاً للتغطية القطرية الرسمية لخبر زيارة الوزير الإيراني، «أعرب أمير قطر عن ارتياحه لوتيرة العلاقات الثنائية المتنامية بين إيران وقطر، ورحب أيضاً برؤية إيران للقضايا الإقليمية»! وهنا مربط الفرس كما يقال. فالترحيب القطري برؤية إيران ومنطقها وسياستها تجاه القضايا الإقليمية، لا يعني سوى ترحيب الدوحة بتدخلات إيران في البحرين ودعمها لخلايا الإرهاب في دول الخليج. كما يعني تأييد الدوحة لموقف إيران المساند للحوثيين الانقلابيين في اليمن. ويعني كذلك دعم الدوحة للتدخلات الإيرانية المباشرة في سوريا والعراق، وكل ما يتصل بالتطفل الإيراني القائم على نشر الطائفية والانقسامات والحروب العرقية في العالم العربي.

إن الانتقال من المقاطعة إلى القطيعة التامة مع قطر ووضع ملف أزمتها على الرف، أصبح خياراً خليجياً سعت إليه الدوحة بنفسها، بسلوكها اليومي الذي لم يقدم أي مؤشرات على مراجعة سياسة دعم الإرهاب والاستعداد للنظر في مطالب الدول الأربع. وقطر هي التي قدمت نفسها «هدية لإيران»، ولم يدفعها أحد لسلوك هذا الطريق الذي فضلته بدلاً من مناقشة جذور المشكلة. وهذا يدل على أن القرار السياسي القطري مختطف ولا يمكنه مراعاة مصلحة الشعب القطري.

رابط المقال بجريدة الاتحاد: قطر تفضل «الشريفة» على جيرانها

بقلم:د.سالم حميد

تاريخ النشر: الأحد 08 أكتوبر2017