أثناء وبعد الزيارة التي قام بها ملك المملكة العربية السعودية “سلمان بن عبد العزيز” إلى الكرملين، والتي ظهرت نتائجها جلية لدى السياسيين والمراقبين، بل إنها لم تكن بحاجة إلى تحليل الخبراء لما أثمرته مباشرة على الصعيد السياسي والعسكري والاستراتيجي، وما بعثته من رسائل إلى أدوات زعزعة أمن المنطقة وداعميها، والتي كان من أبرز نتائجها مزيدا من العزلة للنظام الإيراني، فلم يكن بحسبان قادة الملالي أن زيارة بسيطة يقوم بها ملك السعودية إلى موسكو ستكشف هشاشة العلاقات بين طهران وموسكو التي طالما تغنى بها قادة الحرس الثوري ونظام الملالي.

ما أغاظ ولا يزال يغيظ قادة طهران، هو قدرة السعودية الفائقة على تشكيل تحالفات إقليمية ودولية استراتيجية في وقت قصير، حيث تسير المملكة ودولة الإمارات العربية المتحدة بخطى ثابتة في إطار تعزيز السلم والأمن في المنطقة ومكافحة الإرهاب، نحو إقامة تحالفات موسعة مع العديد من القوى العالمية، والتي كان آخرها روسيا، والتي على ما يبدو أنها بدأت تستشعر التهديدات التي تمثلها إيران بشكل رئيسي في منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي خلق أرضية مشتركة بين الجانبين، فالخطر الفارسي تعيه موسكو تماما، كما هو الحال في الدول العربية، ويعلم الروس أن طموحات إيران الفارسية تعتبر تهديدا لأمنها القومي، ورغم ما تحاول طهران إظهاره من علاقات وثيقة وتحالفات مع موسكو، إلا أن الأخيرة تدرك تماما أن طموحات إيران ستصبح كارثية إذا امتلك الملالي وأدواته الإرهابية السلاح النووي.

لقد أشارت الزيارة الأخيرة التي قام بها الملك سلمان إلى موسكو إلى مدى التعاون بين الطرفين، فخلال هذه الزيارة اتفق الجانبان على مشروعات بمليارات الدولارات، تشمل استكشاف الفضاء والطاقة النووية والنفط والتسليح، إضافة إلى صندوق بقيمة مليار دولار للتعاون في مجال الطاقة وصندوق بقيمة مليار دولار أميريكي للاستثمار في التكنولوجيا، وأهم ما أثمرته هذه الزيارة هي صفقة شراء السعودية لمنظومة الدفاع الجوي الصاروخية الروسية ” إس – 400″، وبعدها بساعات أعلنت الولايات المتحدة الأميركية عن موافقتها على بيع نظام الدفاع الصاروخي المتطور “ثاد” للسعودية، لتصبح المملكة أول دولة في العالم تملك أقوى منظومتين صاروخيتين، وهو ما خلق إرباكا وتوترا لدى النظام الإيراني سيجبره على الكف عن تدخلاته في شؤون دول المنطقة، وزعزعة أمنها واستقرارها أو اختيار مصير السقوط.

وسياسيا، تعتبر إيران وقطر وتركيا أكثر المنزعجين من هذا التقارب السياسي والتعاون العسكري بين الرياض وموسكو، فطالما حاولت طهران جر الروس إلى حربها في اليمن، وإقناعها بدعم الانقلابيين الحوثيين، ودعوتها إلى التدخل في شؤون المنطقة لصالح طابورها الخامس وأدواتها الإرهابية التي أصبحت قطر أبرزها، لقد  أذهبت هذه الزيارة وما كشفته من تعاون وثيق بين روسيا والدول العربية وخاصة السعودية أحلام الملالي أدراج الرياح، ولا شك أن الغضب الفارسي من الروس بدأ يظهر على ألسنة قادة طهران.

ولعل أبرز ما أنتجته هذه الزيارة والتي يمكن وصفها بــ”ضربة المعلم” زيادة عزلة إيران إقليميا ودوليا، وتؤكد هذه التطورات وما سيتزامن معها من احتمالية قيام “ترامب” بإلغاء الاتفاق النووي، وفرض المزيد من العقوبات على طهران، وإمكانية تصنيف الحرس الثوري وفيلق القدس ضمن الجماعات الإرهابية، إضافة إلى احتمالية شن هجوم عسكري على المواقع العسكرية الإيرانية إذا استمر العناد الإيراني على رفض تفتيش المواقع العسكرية المشتبه بأنها تحتوي على أنشطة نووية، إن هذه المرحلة تعتبر بالفعل مصيرية في تاريخ المنطقة، ويمكن وصفها بأنها الأصعب والأسوأ في تاريخ النظام الإيراني المنعزل إقليميا ودوليا والذي يسير بأقدامه نحو السقوط الحتمي.

مركز المزماة للدراسات و البحوث

9 أكتوبر 2017