توسيعا لدائرة قمع الإصلاحيين في إيران، وتهميشا لأفكارهم وتحطيم قواعدهم الشعبية التي باتت من أكثر مهددات استمرار نظام الملالي، فرضت السلطات الإيرانية وعن طريق المحكمة الخاصة برجال الدين قيودا جديدة على الرئيس الإصلاحي الأسبق “محمد خاتمي”، والذي كان ممنوعا من السفر خارج إيران، ما أثار ردود أفعال داخلية غاضبة لا تزال تداعياتها تتصاعد مع بروز حالة تخبط لدى قادة النظام الإيراني الذين أصبحوا في مواجهة مع الشعب ورموز التيار الإصلاحي وجها لوجه.

ورغم الإنكار الأولي للسلطات الإيرانية وتأكيدها عدم فرض قيود جديدة منها الإقامة الجبرية في حق محمد خاتمي، إلا أن الصحف والمواقع الإخبارية التابعة للتيار الإصلاحي وأهمها موقع “سحام نيوز” التابع للزعيم الإصلاحي “مهدي كروبي”، أكد وعن طريق مقربين من محمد خاتمي أنه بالفعل تم فرض قيود جديدة على خاتمي من قبل المحكمة الخاصة برجال الدين في إيران والتي يرأسها “إبراهيم رئيسي”، زعيم التيار المتشدد المقرب من المرشد الأعلى “علي خامنئي”.

وأجمع مناصري خاتمي أن المحاكمة غير شرعية لعدم حضور المتهم إلى الحكم ودفاعه عن نفسه، وهو ما يخالف الدستور الإيراني صراحة، خاصة أن خاتمي كان رئيسا لإيران منذ عام 1997 حتى عام 2005، ما جعل 86 عضوا في مجلس الشورى الإيراني (البرلمان) يقدمون اعتراضا على فرض قيود جديدة على محمد خاتمي، واعتبر هؤلاء النواب وهم أعضاء لجنة الأمل في المجلس أن فرض قيود جديدة على خاتمي هو انتهاك صريح لمواد الدستور الإيراني، وطالبوا الرئيس “حسن ورحاني” بمنع هكذا إجراءات وإعلامهم بالنتيجة.

وأصدرت لجنة الأمل في البرلمان بيانا أكدت فيه أن زيادة القيود على مشاركة محمد خاتمي في الفعاليات والأنشطة السياسية والثقافية والإعلامية يتناقض بشكل صريح مع البنود 20 و 23 و 36 و 37 من الدستور الإيراني، وأكد البيان أن فرض قيود جديدة على خاتمي سيزيد من قاعدته الشعبية، وبعث عدد من الأعضاء أيضا رسالة إلى رئيس الجمهورية يطالبوه بوقف هذه القيود ومنهم “علی مطهري”، “محمدرضا عارف”، “غلامرضا حیدري”، “الیاس حضرتي”، “محمد رضا تابش”، “سهیلا جلودارزاده”، “فاطمة سعیدي”، “حمیده زرآبادي”، “عبد الکریم حسن زاده” و”شهاب ‌الدین بي مقدار”.

وحسب تصريحات “محمد انجام” محامي محمد خاتمي فإن المحكمة الخاصة برجال الدين أصدرت حكما منعت فيه محمد خاتمي من القيام بأي نشاط سياسي أو ثقافي أو إعلامي لمدة ثلاث أشهر، وأضاف “رضا باقري” وهو محام آخر لخاتمي أن هذا الحكم صدر من المحكمة دون تشكيل ملف قضائي، ما يعني انتهاكا واضحا للقانون الإيراني.

وبمتابعة الصحف الإصلاحية ومنصات التواصل الاجتماعي، فإن هذا الحدث قد أثار ضجة شعبية وسياسية واسعة، وزاد من اتساع الفجوة بين الأوساط الشعبية وخاصة الشباب والنظام الإيراني، ووجه “علي مطهري” نائب رئيس مجلس الشورى انتقادا شديد اللهجة لقرار المحكمة الخاصة برجال الدين، مؤكدا على انتهاكها للدستور الإيراني، وقال أيضا محمد رضا عارف رئيس المجلس الأعلى لسياسة الإصلاحييين أن مثل هذه الأحكام الصادرة في حق محمد خاتمي ستؤدي إلى ضرب ثقة الشعب بالسلطات الإيرانية.

وتمارس السلطات الإيرانية وبأمر من خامنئي وقادة الحرس الثوري التضييق على رموز التيار الإصلاحي خاصة “مهدي كروبي” و”مير حسين موسوي” وتقيد حركتهم وأنشطتهم بفرض الإقامة الجبرية عليهم منذ نحو 7 سنوات، وتضيق الخناق على خاتمي أيضا لدعمه لهم، ففرضت قيودا على خاتمي بشكل أكبر في عام 2015 منذ أن أعلن المرشد الإيراني “علي خامنئي”، بأنه مازال يرى خاتمي باغيا ومتمرداً، بسبب استمرار تعاطفه مع قادة الحركة الخضراء واللذين يصفهما النظام بـرموز الفتنة، وهذا يشير إلى وجود قاعدة سياسية وشعبية واسعة ترفض نظام الملالي في إيران.

وتتسع الفجوة بين الشعوب الإيرانية ونظام الملالي بشكل متزايد هذه الفترة نظرا لعدة عوامل أبرزها الإحباط المنتشر بين المواطنين من سياسة النظام وتدخلاته في شؤون المنطقة، وتردي الأوضاع لدرجة لا تحتمل، والعزلة التي فرضها المجتمع الدولي على البلاد، وما أنتجته من كراهية الشعوب العالمية لإيران وأرجعتها قرونا إلى الوراء، فلم يعد لرجال الدين المهيمنين على السياسة والاقتصاد وعلى رأسهم المرشد علي خامنئي أي قبول لدى الشارع الإيراني الذي يستعد حاليا لانتفاضة جديدة ضد سياسة النظام.

مركز المزماة للدراسات و البحوث

10 أكتوبر 2017