مفارقة عجيبة وواضحة ينتهجها النظام القطري في مفهوم السيادة والاستقلالية، ففي الوقت الذي يبرر فيه عدم استجابته لمطالب الرباعي العربي بأنها تمس السيادة القطرية وتسلب الاستقلالية السياسية من الدوحة، يرتمي علانية بأحضان إيران والإخوان ويضع مصير البلاد بأيدي الملالي والعابثين بأمن واستقرار المنطقة، في مفارقة فاضحة مدلولها فشل التذرع القطري بمفهوم السيادة والاستقلالية والبحث عن حجج واهية للاستمرار في العناد ودعم الإرهاب.

تساؤلات عديدة تطرح أمام صناع القرار في الدوحة حول اتخاذهم مفهوم السيادة حجة في الإصرار على دعم الإرهاب ورفض المطالب العربية لإنهاء الأزمة، أهمها أين السيادة يا سادة قطر في الهرولة إلى إيران وأردوغان، وجلب قواتها وفتح أبواب قطر لها للتعسكر في البلاد؟ أين الاستقلال السياسي في ربط مصير قطر بمصير الإخوان وتلقي التوجهات والإرشادات إن لم تكن الأوامر والإملاءات من قيادات الملالي والحرس الثوري؟ في حين أن الاستجابة لمطالب عربية ودولية مشروعة هدفها وقف دعم الإرهاب أصبح من منظور نظام الحمدين خدشا للسيادة وسلبا للاستقلال السياسي.

هذه التساؤلات يحاول النظام القطري قدر المستطاع طمسها وإخفاءها نهائيا لما تسببه من إحراج وكشف لمضامين الأهداف القطرية الحقيقية في المنطقة، ومدى السلبية التي يخفيها في سياساته تجاه الدول العربية وخاصة الخليجية، والأهم من ذلك ما تخفيه بنود الاتفاقيات الأمنية والعسكرية التي وقعتها الدوحة مع الحرس الثوري وتسمح بتواجد إيراني عسكري وأمني واستخباراتي في الدوحة والمياه الإقليمية لدول الخليج العربي، ما يشكل تهديدا حقيقيا للأمن القومي العربي وخاصة الخليجي، وتساعد على توسيع دائرة التجسس والنشاط الاستخباراتي الإيراني ضد دول الخليج وتزيد من التدخلات الإيرانية السلبية في دول المنطقة.

إن هذه الاتفاقيات في حد ذاتها نهب لسيادة قطر على أيدي الحرس الثوري، وسلب لاستقلالها السياسي والسيادي الذي تتخذه حجة في رفضها للمطالب العربية، ويجب في الحقيقة أن تكون محور اهتمام الدول العربية ومحطة استجواب للنظام القطري، ومن الضرورة أن يضاف مطلب التحقيق في هذه الاتفاقيات والكشف عن بنودها إلى المطالب الــ 13 التي يستوجب على النظام القطري الاستجابة لها لإنهاء الأزمة القائمة.

إن الحفاظ على مكتسبات الدولة وحرية ثقافة الشعب، ومنع الأيادي العابثة من زعزعة أمن واستقرار الدولة والدول المجاورة، ووقف التدخلات في شؤون الغير وإنهاء الدعم للإرهاب، هو المعنى الحقيقي للسيادة والاستقلال السياسي، وليس الارتماء في أحضان الغير وارتهان مصير البلاد بمصير أنظمة وجماعات إرهابية كما يعتقد النظام القطري، والاستجابة لمطالب الدول العربية والحفاظ على وحدة الصف الخليجي هو في حد ذاته حفاظ على الدولة القطرية وسيادتها، ولن يكون لقطر استقلال سياسي بعيدا عن الجسد العربي، والأطماع الإيرانية والإخوانية تستهدف أولا سيادة قطر وباقي الدول الخليجية ومكتسباتها كونها تتعارض مع المشروع الفارسي التوسعي في المنطقة.

إن الحكمة السياسية تقتضي حاليا من النظام القطري أن يعي مخاطر إصراره على سياساته العابثة، وأن يدرك حجم الخطر الذي يجر البلاد إليه في ظل الأوضاع الراهنة، وتعنت إيران على سياساتها الخطيرة وتطوير برنامجها النووي والصاروخي والإصرار على دعم الجماعات المتطرفة في المنطقة، ما يستدعي العودة إلى الرشد والانضمام في صف الدول العربية والمجتمع الدولي وإدراك مدى خطورة الأوضاع الراهنة والتي تشير إلى احتمالية وقوع حرب تفتعلها إيران وتحاول من خلالها أن تشعل النيران في منطقة الخليج العربي كجزء من انتحارية النظام الإيراني ومشروعه الرامي إلى إبقاء الفوضى الخلاقة وتوسيع دائرتها لتشمل الدول العربية ليتسنى له اختراقها والعبث فيها مستخدما أدواته وجماعاته الإرهابية، وهو حلم فارسي واهم لن يتحقق في ظل وجود أنظمة عربية حكيمة وواعية وتتمتع بقرار سياسي صائب وعلاقات استراتيجية مع المجتمع الدولي.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

17 أكتوبر 2017