من خلال الدراسة الضمنية لاستراتيجية الإدارة الأميركية الجديدة تجاه طهران نصل إلى نتيجة مفادها أن كل الأبواب لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات والخيارات، ورغم صعوبة الحزم في ما ستتخذه إدارة ترامب تجاه النظام الإيراني، غير أن الأمر الواضح  هو العودة إلى سياسة التصعيد الأميركي مع إيران وممارسة الضغوط عليها وفرض المزيد من العقوبات التي ستؤثر هذه المرة بشكل كبير على الداخل الإيراني.

والخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبه النظام الإيراني بعد رفع العقوبات وما ترتب عنه من تحرير مليارات الدولارات التي كانت مجمدة بفعل العقوبات، ومليارات أخرى جناها من انفتاح جزئي على الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية، والسماح بتصدير النفط، هو أنه كان يعتقد أن الاتفاق قد سلك ولا انهيار له، وقام بإنفاق وهدر تلك المليارات على مشروعه الإقليمي عبر التدخلات ودعم وتمويل الجماعات الموالية لإيران في المنطقة، والآن وبعد فوات الأوان، ومع احتمالية انهيار الاتفاق النووي وتشديد العقوبات على طهران يكون النظام الإيراني والحرس الثوري في مأزق سياسي واقتصادي يصعب عليه تحمله لفترة طويلة.

وفي كل الأحوال المتعلقة بالقرارات التي ستتخذها الإدارة الأميركية بشأن الاتفاق النووي، فإن هناك أرضية خصبة ومحفزات كثر لدى أميركا لفرض عقوبات جديدة على إيران، منها استمرار الأخيرة في إطلاق صواريخ باليستية، ورفضها تمديد السقف الزمني للقيود المفروضة على إنتاجها للوقود النووي، والتقارير الاستخباراتية التي تتحدث عن قدرة إيران على إنتاج سلاح نووي خلال أقل من عام، والاستمرار في دعم الإرهاب وزعزعة أمن واستقرار المنطقة والعالم، وانتهاك القوانين والاتفاقيات الدولية وحقوق الإنسان، جميعها تعتبر مبرر ودافع لإعادة فرض تلقائي للعقوبات الاقتصادية الأميركية على إيران.

وحسب ما ذكره الرئيس الأميركي ترامب، فإن الاستراتيجية الجديدة تجاه طهران ستمر عبر أربعة طرق رئيسية هي:

أولا: العمل مع الحلفاء لمواجهة نشاطات إيران التخريبية في المنطقة ودعمها للجماعات الإرهابية المزعزعة لأمن واستقرار دول المنطقة.

ثانيا: تشديد العقوبات على النظام الإيراني لإجباره على وقف دعم وتمويل الإرهاب.

ثالثا: منع إيران نشر صواريخ وأسلحة تهدد جيرانها والتجارة العالمية وحرية الملاحة.

 رابعا: منع إيران من الوصول إلى سلاح نووي بأي حال من الأحوال.

ومن المؤكد أن يتم الإعلان عن عدم التزام إيران ببنود الاتفاق النووي، ما يستدعي بالضرورة فرض عقوبات إضافية صارمة على الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس وبعض المؤسسات والرموز الإيرانية، وتشديد العقوبات على طهران أيضا خارج نطاق الاتفاق النووي بسبب برنامجها الصاروخي ودعمها الإرهاب ونشاطاتها المزعزعة للاستقرار في المنطقة، وملفها الأسود في انتهاكات حقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية، وبات الآن ومن المرجح أن يتم تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية يمنع التعامل معها مطلقا، وهو ما سيدفع بالنهاية إلى انهيار الاتفاق النووي ولو من الجانب الإيراني، لا سيما من قبل التيار المتشدد الذي كان في الأصل يرفض الاتفاق قبل وبعد توقيعه، ويتهم حكومة روحاني بالخيانة بعد أن نجحت في التوصل لاتفاق مع المجموعة السداسية الدولية.

ويبقى أن نذكر بأكبر دليل على انتهاك إيران للاتفاق النووي، وهو أن من يدير  البرنامج النووي الإيراني هو الحرس الثوري والتيار المتشدد، وهؤلاء كانوا قد أعلنوا رفضهم للاتفاق حتى بعد توقيعه، واعتبروه منفذا للأعداء يستطيعون من خلاله اختراق الدولة الإيرانية، ما يعني عدم التزامهم ببنود الاتفاق منذ بدايته، وإصرارهم على رفض تفتيش المواقع العسكرية التي يشتبه بأنها تحتوي على أنشطة نووية سرية يزيد من التأكيد على انتهاك إيران لروح ونص الاتفاق النووي، وهو ما تؤكده التقارير الاستخبارتية العالمية.

مركز المزماة للدراسات و البحوث

18 أكتوبر 2017