إيران الدولة الوحيدة في المنطقة التي لم تتعرض لاستهداف من «داعش» ولم تكتشف أي خلايا فاعلة للتنظيم على أراضيها، بل احتضنت قبل نشوء «داعش» عائلات مقاتلي تنظيم «القاعدة» وأطفالهم، ومنهم إحدى زوجات أسامة بن لادن، إلى جانب عدد من قياديي «القاعدة» الذين فروا إليها من أفغانستان، على وقع المعارك التي دمرت خلايا التنظيم ومجموعات حركة «طالبان»، إثر ضربات قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. على هذه الخلفية وبعد أن تحولت إيران إلى أرض آمنة للمتطرفين الهاربين من أفغانستان، ونظراً لاحتياج إيران لكل العوامل التي تمكنها من السيطرة على العراق وغيره عبر تأجيج الملف الطائفي، تأسست العلاقة المباشرة بين بقايا «القاعدة» والنظام الإيراني، ثم استغلت إيران انهيار الأوضاع في العراق عقب الاحتلال الأميركي ودخلت بكل ثقلها وميليشياتها لتعيث فساداً في جغرافيا العراق، واستثارت بأساليب شيطانية مناطق الشيعة لاستنهاض المشاعر الطائفية وخلق حالة مذهبية بغية تفتيت الشعب العراقي، ومما استخدمته إيران آنذاك سلاح الإرهاب والتفخيخ عبر تمويلها مجموعات «القاعدة» التي أفرزت مع الوقت ما عرف باسم «داعش».

لقد كان نشاط «داعش» في العراق هدية ذهبية لإيران ولحرسها الثوري الذي عمد إلى استخدام ورقة حماية أماكن الشيعة المقدسة، وتم إطلاق عملية تشكيل مجموعات شيعية مسلحة موالية لإيران على حساب نواة الجيش العراقي الذي تم اختراقه ولم يسلم بدوره من البعد الطائفي.

شبهات العلاقة بين إيران و«داعش» وحقيقة صناعة طهران لهذا التنظيم الإجرامي المتوحش لا يمكن تجاهلها، وأبسط متابع يمكن أن يستنتج علاقة إيران بـ«داعش» ومدى ارتباط عمليات التنظيم وتحركاته بمصالح مباشرة للنظام الإيراني، وبخاصة من ناحية حاجة طهران إلى تهيئة المناخات الاجتماعية والمذهبية في مناطق الشيعة للقبول بنفوذ إيراني مباشر بذرائع عقائدية على حساب السيادة، سواء في العراق أو في سوريا، ونظرياً فإن النظام الإيراني صاحب خبرة عملية طويلة في اللعب بالورقة الدينية وتوظيفها سياسياً وعسكرياً. فقد كان الخميني أثناء الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي يدفع بآلاف الإيرانيين إلى الموت في جبهات الحرب مقابل منح المغرر بهم وعوداً وصكوكاً بدخول الجنة! بينما كان الهدف السياسي المباشر هو نشر مبادئ ثورة الخميني الطائفية وإعادة تقسيم المنطقة على أساس مذهبي طائفي معادي للأنظمة العلمانية الحديثة التي تتعامل مع السكان بوصفهم مواطنين يتساوون في الحقوق والواجبات بغض النظر عن المذهب أو الاعتقاد الديني.
ثم جاءت الأزمة السورية ومثلت بدورها هدية إضافية للنظام الإيراني ولنظام بشار الأسد وحلفائه، ولم يكن أمام إيران والأسد سوى استخدام ورقة «داعش» والمجموعات الإرهابية المسلحة للتغطية على الأسباب الحقيقية لرغبة السوريين في الخلاص من نظام «البعث» السوري العسكري الذي لا يجيد سوى لغة العنف والتهجير ضد شعبه.

وكما يقال إذا أردت معرفة الجاني فابحث عن المستفيد، وليس هناك مستفيد من عصابة «داعش»، المتسترة وراء مبدأ «الخلافة»، أكثر من إيران، في الوقت الذي نعلم أن هذه الأكذوبة مجرد شعار لاستنزاف المنطقة وإدخال جيوشها في حالة حرب دائمة مع قوى ظلامية تستهلك الكثير من الوقت والرجال والتضحيات كما يحدث في ليبيا بفعل وجود داعمين إقليميين يرون مستقبلهم في دعم الإرهاب، لذلك لا عجب في تحالف قطر مع إيران وتوحدهما حول كثير من الأهداف والأساليب، ومنها استخدام جماعات الإرهاب.

ونختم بإيراد شواهد لم تعد في خانة الأسرار، تؤكد العلاقة العضوية بين «داعش» وإيران، وفي مقدمتها الإفراج المتعمد عن مئات السجناء التكفيريين من سجون العراق في عهد نوري المالكي الذي سلّم الموصل لـ«داعش» وترك لها سلاحاً أميركياً بقيمة مليار ونصف المليار دولار، وإيداعات في البنك بقيمة مليار دولار. وسقطت في عهده مناطق عراقية شاسعة تحت سيطرة «داعش»، وبلغ عدد الإرهابيين الذين أفرج عنهم المالكي 550 شخصاً، ومثله فعل النظام السوري، واتضح أن قادة أخطر فصائل الإرهاب في سوريا كانوا سجناء تم الإفراج عنهم بهدف استخدام ورقة الجماعات المسلحة لقمع تطلعات السوريين بمشاركة إيرانية.

رابط المقال بجريدة الاتحاد:الوجه الإيراني لـ«داعش»

بقلم:د.سالم حميد

تاريخ النشر: الأحد 22 أكتوبر 2017