كان للعقوبات الدولية المفروضة على طهران بفعل برنامجها النووي المثير للجدل طوال العشرة سنوات الماضية التأثير الأكبر على العلاقات بين إيران والمجتمع الدولي وخاصة الولايات المتحدة، وتحولت تلك العقوبات والتي اشتدت على طهران منذ عام 2010 إلى ساحة جدل للنظام الإيراني في صراعه مع الداخل والخارج، وكادت أن تنهي عمره لولا إدارة الرئيس الأميركي السابق “باراك أوباما” التي أنقذته برفع العقوبات بعد توقيع الاتفاق النووي الذي كان سببا في تصعيد إيران من تدخلاتها في المنطقة وزيادة دعمها للجماعات الإرهابية بعد أن حصلت على عشرات المليارات التي كانت مجمدة بفعل العقوبات.

ومن المؤكد بعد 9 أيام من الآن أن يتم إعادة تفعيل العقوبات على طهران وأهم مؤسسات النظام الإيراني وعلى رأسها الحرس الثوري، ولإدراك مدى تأثير هذا التطور، يجب فهم العمق التأثيري للعقوبات على الداخل والخارج الإيراني ولا سيما من الناحية الاقتصادية، وما ستزيده من حدة الانقسامات الداخلية بين التيارات المتصارعة على الصلاحيات في البلاد، فانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق يعني بالضرورة انهياره، وهو ما أكده عراقجي من أن الاتفاق النووي سينهار دون الولايات المتحدة، ورغم استبعاد خروج أميركا من الاتفاق، إلا أن المنافذ المتاحة الأخرى لدى الولايات المتحدة لفرض العقوبات على طهران كثيرة، وأهمها دعم الإرهاب وعدم التزامها ببنود الاتفاق النووي، وانتهاك القوانين الدولية وحقوق الإنسان والإصرار على تطوير الصواريخ الباليستية التي تشكل خطرا على دول المنطقة إضافة إلى رفض طهران تفتيش المواقع العسكرية، لذا فإن استراتيجية ترامب الجديدة ستحمل عقوبات شديدة على النظام الإيراني والحرس الثوري.

ومن المرجح الآن أن يقوم ترامب بتشديد العقوبات الأميركية على إيران، مع محاولة جذب تأييد الدول الأخرى المشاركة في توقيع الاتفاق نحو تعديله، وفي هذه الحالة يكون أمام طهران خيارين أحلاهما مر، فإما أن تبادر بإلغاء الاتفاق من طرف واحد ، وبذلك تعفي الولايات المتحدة من اتخاذ قرار يبدو من الصعب اتخاذه حتى الآن لأسباب عديدة، وهو ما سيمنح واشنطن القدرة على حشد تأييد دولي لإعادة العقوبات على طهران وتشديدها، والخيار الثاني هو أن يرضخ النظام الإيراني للضغوط ويقبل بإعادة التفاوض لإدخال بنود جديدة تتعلق بالتجارب الصاروخية والسياسات الإقليمية لإيران، بحيث يمكن توجيه العقوبات نفسها أو أخرى أشد في حالة عدم التزام إيران بهذه التعديلات، غير أن هذا الخيار سيضع رموز النظام الإيراني وخاصة المرشد خامنئي في مأزق وحرج أمام الشعوب الإيرانية بعد أن أطلقوا تأكيدات على رفض أي إعادة تفاوض حول الاتفاق النووي والتجارب الصاروخية.

وسيكون لفرض العقوبات تداعيات وانعكاسات كبيرة، أهمها أن الحرس الثوري يسيطر على ما يزيد عن 70% من القطاعات الاقتصادية الحكومية والخاصة، وفرض عقوبات عليه يعني منع التعامل معه مطلقا، ما يعني أن 70% من الاقتصاد الإيراني سيصاب بحالة من الشلل، وستوقف الدول الأوروبية كافة الاستثمارات والمشاريع التي كانت تنوي إقامتها في إيران.

إضافة إلى ذلك فإن الحرس الثوري سيتحول بعد فرض العقوبات عليه وتصنيفه كمنظمة إرهابية إلى مصدر خطر وتهديد يجعل الاقتراب منه أو التعامل معه مغامرة خطيرة لا ترغب الشركات العالمية أو الأشخاص الخوض فيها، لأن التعامل مع الحرس الثوري سيكون بمثابة دعم الإرهاب، وهذا في حد ذاته سيضع كافة أطراف طابور إيران الخامس وأذنابها في قائمة الجماعات الإرهابية التي يجب القضاء عليها.

وعلى ما يبدو أن الإدارة الأميركية لا تنوي إدراج كافة مؤسسات الحكومة والنظام على قائمة الإرهاب، بل ستكتفي بالحرس الثوري ومؤسساته الاقتصادية والأمنية والعسكرية، وهذا سيخلق فجوة واسعة بين الحرس الثوري والشعوب الإيرانية التي ستراه السبب الرئيسي في تردي الأوضاع الداخلية وخلق الأزمات والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية، ومن هذا المنطلق جاء غضب رموز الحرس الثوري الذين شدوا الأحزمة لشن الهجوم الإعلامي على الولايات المتحدة بهدف الترويج لفكرة أن ترامب يستهدف الشعب الإيراني بأكمله وليس النظام وحرسه الثوري، وذلك خوفا من انفجار شعبي يطيح بالنظام.

ولا شك أن ذلك سيضعف القاعدة الشعبية للحرس الثوري والنظام معا، ويعمق من الخلافات بينه وبين العديد من الرموز السياسية والاقتصادية التي ستتجنب أي علاقة مع الحرس الثوري خوفا من العقوبات الدولية، ما سيؤدي إلى تقسيم الداخل الإيراني إلى قطبين، واحد تحت العقوبات والآخر سالم منها.

ومن خلال متابعة الداخل الإيراني، فإن السلطات الإيرانية تفتقر حاليا لأي آلية للتعامل مع استراتيجية ترامب الجديدة، ويرى الخبراء أن طهران لن يكون لديها أي ردة فعل مؤثرة تجاه ما سيعلنه ترامب، لأنها تفتقر لأي قوة أو ورقة ضغط ضد الولايات المتحدة، وتعول فقط على بعض الدول الأوروبية لإنقاذها من مأزق ترامب، وعلى ما يبدو أنها ستقف مكتوفة الأيدي بعد تشديد العقوبات وعزلتها دوليا.

مركز المزماة للدراسات و البحوث

23 أكتوبر 2017