أصبحت الخيارات أمام طهران محدودة للغاية في مواجهتها للعزلة الدولية المتزايدة وتشديد العقوبات عليها سواء تم إلغاء الاتفاق النووي أو تم تعديله، فالاستراتيجية الأميركية الجديدة تجاه أنشطة طهران التخريبية وتدخلاتها في شؤون المنطقة وضعت النظام في إيران أمام خيارات محدودة جدا لا تسمح له بالاستمرار في سياساته الحالية، ومن المؤكد أن يكون لتلك الاستراتيجية الجديدة تأثير خطير على تماسك النظام الإيراني وستحد من أنشطته التدخلية والإرهابية في دول المنطقة.

أما حول كيفية تعامل طهران مع سياسة ترامب فإنه من المرجح أن تنتهج سياسة الرضوخ والاستجابة للمطالبات الأميركية بإعادة التفاوض حول الاتفاق النووي وتعديل بنوده بحيث تطال تجارب الحرس الثوري الصاروخية وأنشطته الإرهابية وملف انتهاك حقوق الإنسان في إيران، وقد كشف ممثل مدينة بروجرد في مجلس الشورى الإيراني “عباس كودرزي” عن مؤشرات لرضوخ بعض المسؤولين الإيرانيين وقبولهم بـ “برجام 1و2” أي قبولهم اتفاق نووي ثاني وثالث بعد تعديله من قبل الولايات المتحدة، حيث أكد كودرزي في تصريح له نقلته وكالة أنباء “تسنيم” التابعة للحرس الثوري أن هناك بعض المسؤولين في إيران يسعون بحجة المشاكل المالية إلى الضغط على النظام من أجل الموافقة على برجام 2 و3.

ولكن هذا الخيار الذي لم يعد لإيران سواه سيقود بكل تأكيد إلى انقسامات داخلية ويوسع فجوة الخلافات بين مؤسسات الحكم في إيران، وسيؤدي إلى تقسيم إيران حكوميا وشعبيا إلى قطبين، الأول سيمثله التيار الإصلاحي وفئة كبيرة من الشعوب الإيرانية، ويطالب بضرورة الاستجابة وقبول إعادة التفاوض حول الاتفاق النووي بسبب المشاكل الاقتصادية وما ستشكله إعادة فرض العقوبات من مخاطر كبيرة على الدولة، والثاني سيمثله التيار المتشدد والحرس الثوري والذي سيصر على معاندة المطالب الأميركية ورفضها، لا سيما أن بعض رموز قادة الحرس الثوري وشركاته الاقتصادية وعلى رأسها مؤسسة ما يعرف في إيران باسم “خاتم الأنبياء” كانت هي المستفيدة ماليا من فرض العقوبات بسبب ما تجنيه من أرباح بفعل عمليات التهريب واحتكار القطاعات الاقتصادية واستغلالها لتحقيق مصالح شخصية لرموز النظام الإيراني وخاصة رجال الدين وقادة الحرس الثوري.

غير أن صعوبة وخطورة الأوضاع الداخلية ربما ستجعل رأس النظام الإيراني خامنئي ومستشاريه يميلون مع القطب الأول نحو الخضوع للولايات المتحدة وقبول مطالبها حول تعديل الاتفاق النووي تجنبا لإعادة فرض كافة العقوبات التي كانت مفروضة قبل توقيع الاتفاق، لأن ذلك سيؤدي إلى انهيار الاقتصاد الإيراني ما سيشكل خطرا حقيقيا على بقاء النظام الإيراني لفترة أطول، ولكن هذا الخيار سيصطدم مباشرة مع رجال الدين وخاصة الشعبويين الذين يتخذون كلام الخميني دستورا لهم، وطالما أصدروا التنطعات والتخرصات أمام الشعوب بأنهم لم ولن يرضخوا للولايات المتحدة التي يسمونها الشيطان الأكبر.

وفي معتقد الملالي الذي رسموه أمام الداخل الإيراني، ولم يضعوا له أي حسابات مستقبلية، فإن الخضوع للشيطان الأعظم (الولايات المتحدة) يعني الانحراف عن مبادئ الثورة التي يحاولون ترسيخها في الداخل والخارج الإيراني بقمع الشعوب ونشر الإرهاب وإضعاف الأنظمة، باعتبارها الأساس الوحيد الذي يقوم عليه النظام الإيراني، وبالتخلي عنها يعني انفضاح أمر نظام الولي الفقيه وبداية نهايته.

الخيارات الأخرى لدى طهران محدودة جدا، حيث لا تمتلك أي أداة ضغط على أميركا تستطيع من خلالها التأثير على قرارات ترامب أو الرد عليها، سوى الاستعانة ببعض الأصوات الأوروبية التي تعارض انهيار الاتفاق النووي، غير أن مفهوم إيران لهذه الأصوات على ما يبدو خاطئ، لأن تلك الأصوات التي تؤيد بقاء الاتفاق النووي تؤيد أيضا معاقبة إيران وفرض عقوبات عليها بفعل أنشطتها الإرهابية وانتهاكها لحقوق الإنسان وتطويرها لصواريخ تهدد أمن المنطقة، وفي حال تم تشديد العقوبات وهو ما تم الإعلان عنه من قبل الولايات المتحدة فإن خيار الانسحاب من الاتفاق النووي من قبل إيران سيكون كارثيا لها ومكلفا على الصعيد السياسي والاقتصادي، وهو أمر مستبعد، وفي حالة العناد وترك الاتفاق النووي على الأرفف من قبل الجانب الإيراني مع فرض عقوبات جديدة على طهران، وإصرارها على تطوير برنامجها الصاروخي وعدم التزامها ببنود الاتفاق سيكون أمام القوى العالمية والإقليمية ضرورة ملحة لتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية والعسكرية في إيران لمنعها من امتلاك سلاح نووي تهدد به العالم بأسره وتتحول إلى قوة انتحارية وقلق عالمي كما هو حال كوريا الشمالية الآن.

مركز المزماة للدراسات و البحوث

25 أكتوبر 2017