المحور الثاني:

أبرز حركات المعارضة المسلّحة داخل إيران

يمكن تقسيم حركات المعارضة المسلحة في إيران إلى ثلاثة تيارات رئيسة:

  • الحراك العربي الأحوازي المسلح.
  • الحراك البلوشي المسلح.
  • الحراك الكردي المسلح.

إلى جانب مجاهدي خلق، وحركات مسلحة صغيرة للقوميات الأخرى، ولا يمكن إدراج تقدير تقريبي أو رسمي لتعداد عناصر الحركات المسلحة، بسبب تكتّم أطرافها، وهي في أقل التقديرات بالعشرات لدى الجماعات الصغيرة، وبالمئات لدى الجماعات الأكبر، وصولاً إلى عدة آلاف لدى مجاهدي خلق.

شكل رقم (8)

Picture ٨ png

  • حركة النضال العربي لتحرير الأحواز/كتائب الشهيد محي الدين آل ناصر:

رغم تعدد القوى السياسية في الأحواز، إلا أن الحراك المسلح المنظم، يتركز منذ عام 2005 في اتجاهين رئيسين:

  • الاتجاه الأبرز، وهو الأكثر حضوراً وفعالية، ويتمثل في كتائب الشهيد محي الدين آل ناصر، التابعة لحركة النضال العربي لتحرير الأحواز (5)، والتي انطلقت منذ عام 2005، بناء وتتويجاً للحركات السابقة، حيث تقوم الحركة على بناء قومي تحرري، ويتسع الدعم الذي تتلقاه من جوارها العربي منذ عام 2011، ورغم أن حجم هذه الكتائب غير معلن عنه، إلا أن عملياتها تستهدف باستمرار قوات الحرس الثوري في الأحواز بشكل أساسي، إلى جانب استهداف عام للنظام ولبنيته الاقتصادية والسياسية والأمنية وخطوط النفط في الأحواز، وترتبط عملياتها غالباً بالظروف المحلية داخل الأحواز، والقدرة على الرصد والاستهداف.
  • وتقوم إلى جانبها، كتائب أو حركات صغيرة (أو صغيرة للغاية)، تؤكد على ذات النهج السابق، وإن كانت بفعالية أقل من سابقها.

  • الحراك البلوشي المسلح:

يتركز بشكل محوري حول جيش العدل (6)، والذي هو امتداد لحركة جند الله، إذ بعد إدراج الحركة على قوائم المنظمات الإرهابية، أسست قيادات من الحركة جيش العدل، وفق أيديولوجية سنية سلفية، وفيما تقيم قيادته في بلوشستان باكستان، فإن نشاطه موجه حصراً لبلوشستان إيران (محافظتي بلوشستان وسيستان الإيرانيتين)، وله جناحان عسكريان أساسيان:

  • شهيد رضائي.
  • عبد الملك ملا زاده.
  • يضيف البعض جناحاً ثالثاً، يتمثل في جناح مولوي نعمة الله توحيدي، بقيادة زبير إسماعيل زهي.

ووفق بعض المصادر البلوشية الخاصة، فإن حزب الشعب البلوشي، دخل في مفاوضات مع جيش العدل، بهدف أن يكون الجيش ذراعاً عسكرياً للحزب، لما للحزب من قدرات تعبوية كبيرة وشعبية تمتد إلى غالبية بلوشستان، وذلك في إطار توحيد المقاومة البلوشية ضد النظام الإيراني.

أما التشكيل العسكري البلوشي الآخر، فتمثل بجيش النصر، والذي أنشأه عبد الرؤوف ريغي، شقيق الشهيد عبد المالك ريغي، بعد اختلافه مع قيادة جيش العدل، غير أنه وبعد اغتيال عبد الرؤوف في باكستان، عاد قادة وأعضاء جيش النصر للالتحاق بجيش العدل.

وتظهر المجموعة الثالثة، من خلال ما يعرف بجيش الأنصار والفرقان، وهي جماعات متشددة، تعتبر إحدى الجماعات القاعدية، توحّدت لتشكيل هذا الجيش.

  • الحراك الكردي المسلح: ويُعبّر عنه بثلاث قوى رئيسة:
  • الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) (7): تأسس عام 1945 على يد قاضي محمد، انطلاقاً من جمعية (إحياء الكرد)، وفق أيديولوجيا اشتراكية ديمقراطية، وأمينه العام الحالي مصطفى مولودي، وله جناح عسكري (بيشمركة) وحدات عسكرية نسائية (وحدات حماية المرأة).
  • الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (حدكا) (8): وهو انشقاق عن الحزب السابق، وأمينه العام الحالي، مصطفى هجري، ويتبع ذات الأيديولوجيا، وله كذلك جناح عسكري (بيشمركة)، إضافة إلى وحدات عسكرية نسائية (وحدات حماية المرأة)، تنشط في كردستان إيران، وتعتبر وحداته العسكرية الأقوى والأنشط في عموم كردستان إيران، وكان هذا الحزب والحزب الأم، مدعومين من نظام صدام حسين سابقاً، وقد أطلق انتفاضة خلال الفترة 1979-1982، تم قمعها بشدة من قبل السلطات الإيرانية، وواصل التمرد حتى عام 1996، بوتيرة منخفضة، فيما تقع اشتباكات مسلحة محدودة بين الفترة والأخرى مع النظام الإيراني.
  • حزب حيات آزاد كردستان/بيجاك (9): تأسس عام 2003، ويشترك مع حزب PKK التركي بذات الأيديولوجية العلمانية الشيوعية (ذراع حزب العمال الكردستاني داخل إيران)، ويعتبر عبد الرحمن حاجي أحمدي أول رئيس لحزب بيجاك، ويضّم في صفوفه أكراداً إيرانيين وأتراك وعراقيين وسوريين (كما هو حال كافة أذرع PKK)، ورغم أنه أعلن وقف إطلاق نار عام 2011، إلا أن اشتباكات مسلحة محدودة تقع بين الحين والآخر، وجل نشاط هذا الحزب في المثلث الحدودي الإيراني-العراقي-التركي، وفي عموم المناطق الحدودية، أي في المناطق التالية:
    • منطقة قلعة رش في إقليم أذربيجان الجنوبية في إيران.
    • منطقة اورامانات التابعة لمحافظة كرمنشاه الإيرانية.
    • منطقتي إيوان وإيلام (عيلام) التابعة لمحافظة عيلام الأحوازية/الكردية.
    • منطقة مريوان وجهل جشمه التابعتان لكردستان إيران.
    • القسم الشرقي لجبال قنديل في كردستان العراق.

وتمت إقالة عبد الرحمن حاجي أحمدي، عام 2014، بناءً على تقارير تؤكد تجاوزه للصلاحيات الممنوحة له، ومهاجمة قوات الحرس الثوري في مدينة مريوان، في حين تشير تقارير أخرى إلى تعاونه مع الأمن الإيراني/اطلاعات. وتم تشكيل رئاسة مشتركة من القيادي (سيامند معيني) والقيادية (زيلان وجين/وژین) ويتم انتخابهما من قبل الأعضاء وبالأكثرية، ويتشكل بيجاك من جناحين عسكريين:

  • وحدات عسكرية للرجال (وحدات شرق كردستان).
  • وحدات عسكرية للنساء (وحدات حماية المرأة الكردية).
  • يضاف إلى هذه القوى الثلاث، أحزاب كردية ذات نشاط سياسي وعسكري محدود، من مثيل:
    • صقور زغروس.
    • حزب كومله.
    • حزب آزادي كردستان.
    • الحركة الجمهورية الكردستانية الإيرانية.
    • اتحاد ثوار كردستان.
    • حزب رهائي كردستان إيران.

وبالبحث في العمليات العسكرية لهذه الأطراف القومية الثلاثة (العرب والبلوش والكرد)، من خلال الرصد الشهري الذي تقدمه حركة النضال العربي لتحرير الأحواز (أحوازنا)، خلال الفترة (أغسطس 2016-سبتمبر 2017)، تظهر النتائج التالية:

  • لا يتم الإعلان عن كافة العمليات، وفقاً لاعتبارات أمنية تتعلق بالقوى المسلحة.
  • تمتاز كتائب الشهيد محي الدين آل ناصر، بنهج العمليات الصغيرة المتفرقة ضد مقرات وقوات الحرس الثوري ومقوّمات النظام في الأحواز (16 عملية معلن عنها خلال هذه الفترة).
  • أمّا جيش العدل، فعملياته المعلنة أقل من سابقه، لكنها أكثر قوة وعنفاً ضد قوات الحرس الثوري (8 عمليات معلن عنها في ذات الفترة).
  • لم تشهد هذه الفترة سوى عمليتين معلنتين للقوى الكردية في مواجهة الحرس الثوري، إحداها كبيرة نسبياً لحزب بيجاك، والأخرى صغيرة لصقور زاغروس.

شكل رقم (9)

 Picture٩

  • مجاهدو خلق (10):

تأسست منظمة مجاهدي خلق الإيرانية (منظمة مجاهدي الشعب الإيراني) عام 1965، من أكاديميين ونخب مثقفة فارسية، بهدف إسقاط نظام الشاه، وانتقلت إلى نزاع مسلح مع نظام الملالي بعد سيطرته على ثورة 1979. وهي جزء من ائتلاف واسع يُعرف بـ (المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية)، يعمل كبرلمان منفى يضم خمسة أحزاب فارسية رئيسة، وجيش التحرير الوطني الإيراني الذراع العسكري لمجاهدي خلق، وبالتالي لعموم هذا الائتلاف.

تركزت المنظمة منذ ثمانينات القرن العشرين في العراق، بدعم واسع سياسي وعسكري ومالي من نظام صدام حسين، وشاركت إلى جانبه في حرب الخليج الأولى، واستمر وجودهم حتى عام 2003، حيث بدأ عناصرها بالمغادرة تدريجياً، حتى نهاية عام 2016.

وتولت أمانة المنظمة العامة زهرة أخيائي، من سبتمبر 2011 حتى سبتمبر 2017، حيث تولتها مؤخراً زهراء مريخي، فيما تتولى مريم رجوي منصب المرشحة لرئاسة إيران بعد إسقاط النظام –زوجة الزعيم الأسبق للمنظمة مسعود رجوي ورئيس المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية والقائد العام لجيش التحرير الوطني الإيراني-.

تقوم أيديولوجية المنظمة التأسيسية على فكرة المزج بين ثلاثة أيديولوجيات أساسية:

  • الأيديولوجية اليسارية (الاشتراكية).
  • الأيديولوجية الإسلامية (الشيعية).
  • الأيديولوجية القومية (الفارسية).

وهو ما جعل المنظمة ذات أيديولوجية عنصرية متشددة، وإن كانت تحاول أن تروج لفكرة انفكاكها عن هذه المقومات الثلاث، وإبراز توجه علماني-ليبرالي، غير أن متابعي المنظمة والمتواصلين معها –وخصوصاً من العرب الأحوازيين- يؤكدون استمرار ذات النهج بشكل غير معلن، واستمرار العنصرية التي ميزت الحركة تجاه القوميات الأخرى غير الفارسية، وتحديداً تجاه العرب، ففيما تقر الحركة علناً بحق الحكم الذاتي لأكراد إيران، فإنها لا تقرر أية حقوق مشابهة لأي من القوميات الأخرى في إيران، بل إنها ترفض اعتبار الجزر الإماراتية جزراً محتلة من قبل إيران، إلا أنها لا تحاول التصريح علناً بذلك.

ورغم أنها لم تجرِ تغييرات في بنيتها الدستورية والتأسيسية باتجاه التخلي عن مبدأ العمل المسلح لإسقاط النظام، إلا أنها اكتفت بالإعلان عن “نبذ العنف” منذ يونيو 2001، وسمحت لها الولايات المتحدة بعد احتلال العراق بالاحتفاظ بجزء من ترسانتها العسكرية، والتي وإن سيطرت الحكومة العراقية على جزء كبير منها لاحقاً، إلا أن جزءً آخر لا يُعلم مصيره.

ورفعها الاتحاد الأوروبي من قائمة المنظمات الإرهابية عام 2009، ولحقت به الولايات المتحدة عام 2012، فيما تمّ ترحيل الغالبية العظمى من عناصرها عن العراق (قسراً أو في برنامج إعادة توطين)، حيث أن غالبية عناصر معسكر أشرف/لبيرتي تم نقلهم إلى معسكرات في ألبانيا (عدة مئات)، كان آخرهم في سبتمبر 2016.

ولم يشهد النظام الإيراني، أو مصالحه في الخارج، أي استهداف من قبل المنظمة، منذ بداية العقد الماضي على الأقل، حيث إن الحركة في كمون عسكري تام، وتفضل الاشتغال على التوجهات السياسية، وبناء الحلفاء، رغم ما يشاع عن احتفاظها بقوتها العسكرية، أو على الأقل بعناصر عالية التدريب.

 

المحور الثالث:

تعزيز العلاقات الإيرانية-التركية

تشهد العلاقات الإيرانية-التركية منذ أغسطس 2016، تعزيزاً يتصاعد أكثر فأكثر، ليشمل التنسيق في عدة ملفات إقليمية، فمنذ أن أدركت تركيا أنها غير قادرة على فرض برنامجها السياسي الإقليمي، وخصوصاً مع الإطاحة بجماعة الإخوان المسلمين في أكثر من دولة، ومحاولة الانقلاب الفاشلة على أردوغان، غيّرت مسار سياساتها الإقليمية باتجاه الطرف الأكثر حضوراً وفعالية في جوارها الإقليمي (روسيا وإيران)، وعمدت إلى التنسيق معهما لحماية مصالحها التي باتت مهددة من جهة، ومحاولة توسيع هذه المصالح من جهة ثانية، وخصوصاً مع قيام اضطراب في العلاقات مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

ووفق دراسة لمعهد دراسات الأمن الوطني الإسرائيلي: “فإن من أهم العوامل التي تقف وراء هذا التقارب، هو نجاح روسيا وإيران في تقوية نظام الأسد، ودعم أكراد سوريا، ما دفع الأتراك إلى الإقرار بأنهم غير قادرين على فعل شيء سوى التعاون مع الائتلاف الروسي-الإيراني في محاولة للحد من الخسائر التي تواجه تركيا في الحرب السورية (11)“.

وطيلة الفترة اللاحقة (أغسطس 2016-أكتوبر 2017)، قام التنسيق بين الطرفين، حول ثلاثة محاور أساسية:

  • المحور الأمني-العسكري: وهو ما يتعلق بمواجهة الحراك الانفصالي الكردي، وتحديداً في شمال العراق، رغم ما يتمّ التصريح عنه من أنه تنسيق لمواجهة تنظيم داعش أيضاً، وهي تصريحات تهدف إلى إعطاء انطباع بأنّ التنسيق الأمني المشترك يشمل كافة التهديدات الإقليمية.
  • المحور الاقتصادي: وهو محور لم يشهد أية انتكاسات منذ عقدين على الأقل، بل تتطلع الدولتان دوماً إلى تعزيزه.
  • محور السياسات الإقليمية: وهو المحور الشائك حيث يضمّ توجهين معاً:
    • التنسيق الإقليمي: ويتضمن دعم جماعات الإخوان المسلمين، ودعم قطر وخصوصاً في أزمتها مع دول الخليج العربي، والتحالف/التنسيق مع روسيا، ومواجهة المحور الخليجي (أو التنافس معه)، وعلاقات باردة أو عدائية مع مصر.
    • التنافس الإقليمي: حيث لم تستطع الدولتان إلى الآن صياغة توجه مشترك في الساحة السورية، إذ ما تزالان متنافسين إقليميين متواجهين (عبر الوكلاء) في الحرب السورية، ويبدو في ظل المعطيات الحالية أن هذا الملف هو الملف العالق/غير المنجز بعد في مسار تطوير علاقاتهما.

ويعتبر الالتقاء التركي-الإيراني ناجماً عن المتغيرات الحالية، وليس تحالفاً أو تشاركاً استراتيجياً، وخصوصاً أن إيران لا تقدم تنازلات حقيقية لمن يتم تسميتهم (شركاء)، عدا عن أن مطامع تركيا تزداد شيئاً فشيئاً، رغم إعادة تموضعها وفق معادلة القوة والمقدرة (التوازن)، منذ إخفاقها بالإطاحة بنظام الأسد.

حيث تدرك تركيا حجم قوتها وحجم قدرتها على التدخل العسكري (التورط العسكري في ملفات الشرق الأوسط)، لذا فهي لا تصعد بشكل كبير، بل بشكل بطيء، بغية اكتساب مصالح أكبر على حساب إيران، إلى حين تغير موازين القوى في عموم المنطقة، إذ يبدو كذلك أن توازن القوى، ورغبة أردوغان في الحفاظ على القوة التركية، عاملين مهمين في الحسابات التركية.

وخصوصاً أن تركيا تقدم أولوية المحلي على الإقليمي (الاقتصاد، الأكراد، غولن، السلطة)، على خلاف إيران التي تقدم أولوية الإقليمي على المحلي، لكن في حال استمرت المتغيرات الإقليمية على ذات النهج، وفي حال استطاع أردوغان تحصين الشأن المحلي (وتحديداً في موضوع الأكراد)، فإنه سيسعى لتعزيز شرعيته –التي تراجعت إلى حدود 45% من مجمل الشعب التركي وفق واشنطن تايمز (12)– إلى بناء شرعية إنجازات أخرى على الصعيد الخارجي، في المقابل فإن قدرة إيران على التورط الإقليمي تتآكل وستدفعها إلى تراجع لاحق، ما يخلق فراغاً ستسعى تركيا عبر علاقاتها المسبقة مع إيران إلى ملئه ومنع الآخرين من التقدم فيه.

وفي ذلك، تحاول تركيا موازنة علاقاتها شرقاً وغرباً وما تزال قادرة على ذلك، إلا أن مسببات انهيار الثقة تتكثف في المرحلة الأخيرة، ومنها:

  • تعليق البرلمان الأوروبي طلب الانضمام التركي.
  • إيقاف الولايات المتحدة شحنة أسلحة لتركيا، وتزويد أكراد سوريا بشحنة أسلحة.
  • أزمة الدبلوماسيين والتأشيرات.
  • تدخل أردوغان في توجهات التصويت لأتراك ألمانيا وأوروبا.
  • تصريحات عدائية/غير ودية متبادلة بين أردوغان وقادة أوروبيين.
  • شراء تركيا لمنظومة الصواريخ الروسية الدفاعية (S-400).
  • أزمة دعم تركيا –أو أطراف مقربة من السلطة- لإيران في تجاوز العقوبات الأميركية.

غير أن تركيا لا تبحث حالياً في التخلي عن مكانتها في الناتو، بل على أن تكون على علاقة جيدة مع الطرفين (الناتو، وروسيا وإيران)، كما أنها لن تتخلى عن مصالحها التي تتسع مع إيران وروسيا، عدا عن أن وجود تركيا في الناتو يحافظ لها على ثقل في توازن القوة مع إيران، وكذا تأثير توطيد العلاقات مع روسيا –وتحديداً العسكرية، رغم أن بعض المحللين يشككون في إمكانية إنجاز صفقة S-400 بين روسيا وتركيا، والتي يمكن أن تتعثر لعدة أسباب، سواء أكان لكلفتها، أو لعوائق تتعلق بأمن التكنولوجيا الروسية، أو لأسباب شخصية.

بالمحصلة، فإن كلا الطرفين التركي والإيراني، يسعيان لتثبيت مصالحهما في المنطقة العربية قبل قيام اتفاق أميركي-روسي حول مستقبل المنطقة.

ووفقاً للباحث في معهد واشنطن Sonar Cagapatay فإن: “الشرق الأوسط لا يتحمل وجود سوى شاه واحد أو سلطان واحد، ولا يحتمل وجود كليهما (13)“.

مسار اللقاءات المشتركة:

شهد عام 2017 عدة لقاءات مشتركة بين الطرفين، كان أبرزها:

  • لقاء روحاني وأردوغان المغلق على هامش قمة منظمة التعاون الاقتصادي الثالثة عشر-إسلام أباد (مارس 2017).
  • زيارة رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية، محمد باقري إلى أنقرة (أغسطس 2017)
  • اجتماع مشترك بين روحاني وأردوغان على هامش مؤتمر أستانا (سبتمبر 2017).
  • زيارة رئيس أركان القوات المسلحة التركية، خلوصي آكار إلى طهران (أكتوبر 2017)، قبل يومين من زيارة أردوغان.
  • أما اللقاء الأبرز، فكان زيارة أردوغان لطهران في 4/10/2017، وتتضح أهمية الزيارة من حجم الوفد المرافق له، والذي ضمّ كلاً من:
    • وزير الخارجية.
    • وزير الداخلية.
    • وزير الاقتصاد.
    • وزير الطاقة والموارد الطبيعية.
    • وزير التجارة والجمارك.
    • وزير الثقافة والسياحة.

نتائج اللقاءات المشتركة:

  • في المحور الأمني-العسكري:

أدّت مجمل هذه اللقاءات إلى تعزيز التعاون العسكري من خلال محادثات جرت بين رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية والقادة الأتراك، شملت ملفات: الإرهاب، محاربة داعش، الملف السوري، دورات عسكرية تدريبية مشتركة، زيادة تبادل المعلومات الاستخباراتية.

غير أنّ هذا التنسيق موجه بشكل خاص ضد كردستان العراق، أو هو توافق حول العدو المشترك، إذ إنّ منع قيام دولة كردية في شمال العراق بات (مصلحة عليا للطرفين)، كما يقوّض مساعي أكراد سوريا وتركيا وإيران للانفصال، ويتضمن هذا التنسيق المشترك اتفاقاً حول مهاجمة الإقليم في حال إعلان استقلاله، وإذا تم هذا العمل فهو مزيد من انفكاك تركيا عن المعسكر الغربي (الأميركي) الذي يدعم الأكراد.

وقد شهد هذا المحور تعزيز تركيا علاقتها بالحكومة العراقية وإيران، اللتين تدعمان ميليشيات الحشد الشعبي في مواجهة قوات البيشمركة الكردية في شمال العراق.

كما أطلقت الدولتان عمليات عسكرية ضد معاقل حزبيّ: العمال الكردستاني وبيجاك، على طول الحدود المشتركة بينهما وداخل العراق (أغسطس 2017)، ووفقاً لوسائل إعلام تركية، فإن الدولتين تتطلعان إلى إقامة قاعدة عسكرية مشتركة شمال العراق (14).

كما اتفق الطرفان على أن تبني تركيا جداراً أمنياً على طول الحدود المشتركة بينهما، وبتمويل تركي، لمنع مقاتلي PKK وبيجاك، من تجاوز الحدود، إضافة إلى تسيير دوريات إيرانية-تركية مشتركة على طول حدود كردستان العراق. كما ينص الاتفاق على (15):

  • تبادل المعلومات الاستخباراتية بين الشرطة التركية والحرس الثوري الإيراني.
  • السماح برسو السفن الحربية في موانئ البلد الآخر.
  • تبادل البرامج التدريبية العسكرية.

  • المحور الاقتصادي:

يُشكّل المحور الاقتصادي إلى جانب المحور السابق، أساس التعاون المشترك، ولم يشهد أية انتكاسات، وخصوصاً في العقدين الماضيين، ويمكن له دائماً أن يقرّب بين الطرفين، فمصلحة تركيا تبقى مرتبطة بمصادر الطاقة لدى إيران ووسط آسيا، فيما تبحث إيران عبر تركيا عن آليات لتجاوز العقوبات دوماً، ومن جهة أخرى تتطلع إلى تشاركية تركيا في تطوير واستخراج موارد الطاقة وتصديرها إلى الأسواق الأوروبية.

وفيما بلغت التجارة البينية التركية-الإيرانية قرابة 10 مليار دولار، لعام 2016، فإن إيران تتطلع إلى رفع هذه التجارة إلى 30 مليار دولار في العام.

وأبرز محطات تعاونهما الاقتصادي مؤخراً، ما يلي:

  • أغسطس 2017، توقيع عقد بين الشركات الإيرانية والتركية والروسية لتطوير حقول النفط والغاز الإيرانية بشكل مشترك، وبتكلفة تقدر بـ 7 مليار دولار، ويجري إنشاء اتحاد لتطوير 4 حقول إيرانية يبلغ إنتاجها اليومي 100 ألف برميل، وباحتياطي 10 مليار برميل من النفط، و75 مليار متر مكعب من الغاز، عدا عن تطلع هذا الاتحاد لتطوير حقول أخرى، ويرى خبراء أن مساهمة تركيا في تطوير واستخراج الغاز من الحقول الإيرانية، سيزود تركيا بمخزون غاز يكفيها لمدة 150 عاماً، عدا عن تطلّع تركيا إلى أن تتحول إلى مركز لإعادة تصدير النفط والغاز من بحر قزوين وآسيا الوسطى والشرق الأوسط عبر إيران إلى الأسواق الأوروبية (16).
  • توقيع اتفاقية بين الدولتين تتضمن استخدام العملات المحلية في التجارة البينية لتعزيز الروابط الاقتصادية بين البلدين، ولتخفيف القيود المصرفية، وذلك خلال زيارة أردوغان إلى إيران.
  • كما وقعت الدولتان إبان زيارة أردوغان، على 4 مذكرات تفاهم لتعميق العلاقات بينهما، هي:
    • مذكرة تفاهم بين وزارة الشؤون الاقتصادية والمالية الإيرانية ووزارة الجمارك والتجارة التركية.
    • مذكرة تفاهم بين المصرف المركزي الإيراني والمصرف المركزي التركي.
    • مذكرة تفاهم بين المكتبة الوطنية الإيرانية وأرشيف رئيس الوزراء التركي.
    • مذكرة تفاهم بين مؤسسة البث الإيرانية ومؤسسة الإذاعة والتلفزة التركية.

  • محور السياسات الإقليمية:

وهو المحور المعبِّر عن التنافس والتعاون الإقليمي، بين قوتين إقليميتين تتطلع كل منهما إلى التمدد على حساب المنطقة العربية، عبر تفعيل آليتين معاً: التنافس والتعاون. وحيث تظهر آليات التعاون في ملف مواجهة التطلعات الانفصالية الكردية (في العراق تحديداً)، إلا أن هذا التعاون يحمل في طياته بوادر تنافس أو خلاف تجاه أكراد سوريا، حيث ما تزال سوريا الملف الشائك في العلاقات البينية.

ووفق تصريحات مسؤول إيراني حول الحكم الذاتي الكردي في سوريا: “الحكم الذاتي معدٍ، ستؤدي منطقة كردية مستقلة في سوريا إلى تفتيت إيران والعراق وسوريا وتركيا، لتحل محلها دولة إقليمية كبرى، ومجموعة متناثرة من الدول الضعيفة”. فيما يذهب مسؤول إيراني آخر إلى أنه: “تشعر إيران بالقلق من إمكانية قيام دولة كردية … إيران تتفق مع تركيا في معارضة دولة كردية، لكنها لا تتفق بشكل أساسي مع نهج تركيا تجاه أكرادها”. فيما يقوم قلق في تركيا مما يعتبر تواطؤاً بين إيران وحزب العمال الكردستاني في سوريا عبر السماح لأذرعه (YPG, PYD) بالعمل في شمال وشمال شرق سوريا (17).

وحيث تشكل المسألة الكردية المحرك الأول للسياسات التركية في سوريا، بهدف منع إنشاء كيان كردي مستقل أو شبه مستقل في شمالها وشرقها، وفي ظل إدراك تركيا لضرورة التنسيق مع إيران وروسيا، فإنها ربما تتجاوز بعض الإشكاليات في موضوع التنافس على مد النفوذ الإقليمي في سوريا، لتتحول إلى طرح سياسة إصلاح نظام الأسد، بهدف التشارك مع إيران والنظام في مواجهة الأكراد وبالتالي تقديم تنازلات كبرى عبر التخلي عن حلفائها/وكلائها في الحرب السورية، أو الضغط عليهم لإجراء مزيد من المصالحات مع النظام من جهة، ومنع ظهور قوى معارضة مسلحة أخرى من جهة ثانية، سواء أكانت محلية أو مدعومة من المحور الخليجي.

وهو ما نوّهت إليه صحيفة دايلي صباح التركية (Daily Sabah): “تتطلع تركيا إلى إقناع المعارضة السورية في الجنوب إلى الانسحاب من بعض المناطق وتسليمها لنظام الأسد، لاعتقادها بأن ذلك سيؤدي إلى تغاضي روسيا وإيران عن اقتحام تركيا لمنطقة عفرين والسيطرة عليها (18)“. وهي مصلحة يلتقي فيها الأتراك مع الإيرانيين والنظام.

وفي حال لم تتوّج سياسات ترامب تجاه سوريا بعد القضاء على داعش، بإحداث عملية انتقال سياسي في السلطة تشمل توافقاً إقليمياً وتهدئة لعموم الشرق الأوسط، فإن ذلك سيعني تعزيز إيران لهيمنتها في سوريا، ودفع تركيا إلى مزيد من التنسيق مع النظام وإيران، وخصوصاً في حال استمرار سياسة دعم الانفصالية الكردية في سوريا من قبل الولايات المتحدة.

ورغم أنّ مقومات الخلاف ما تزال قائمة في سوريا، إلا أنها تتراجع شيئاً فشيئاً، وخصوصاً مع التوافق الثلاثي (إيران وروسيا وتركيا)، حول إنشاء مناطق (وقف التصعيد في إدلب)، وفي عموم سوريا، إلا أن محادثاتهم حول سوريا لم تؤدِّ بعدُ إلى توافق حول حلٍّ يرضي الطرفين، إذ ما يزالان يشتغلان على بناء مناطق نفوذ وحرب بعضهما البعض بالوكالة في سوريا.

ومن ذلك على سبيل المثال، أن تركيا لم تبلغ إيران بنيتها إطلاق عملية درع الفرات في سوريا، رغم وجود مسؤول إيراني رفيع المستوى في أنقرة قبل العملية بيوم واحد، في حين ضغطت في ذات الفترة لتسليم أحياء حلب الشرقية للنظام، ما يدل على أن الملف السوري ما يزال شائكاً ومجالاً للتنافس أو التعاون بين الطرفين.

فيما يدرك الروس والإيرانيون أنهم بحاجة دائمة لتركيا، حيث أنها ما تزال فاعلاً أساسياً في الملف السوري، وقادرة على الإضرار بمصالحهم، في وقت يعزز السلوك الأميركي من نظرية الفراغ الاستراتيجي في سوريا، ويتيح لروسيا وإيران وتركيا التطلع لملء هذا الفراغ، وتحويله إلى مجال قوة لهم.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

٢٩ أكتوبر ٢٠١٧

هوامش:

(5) للمزيد حول نشاطات الحركة، انظر موقعها الرسمي (باللغة العربية): https://www.ahwazna.net/

(6) للمزيد حول جيش العدل، انظر (باللغة الفارسية):

https://fa.wikipedia.org/wiki/%D8%AC%DB%8C%D8%B4%E2%80%8C%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D9%84

(7) للمزيد حول الحزب الديموقراطي الكردستاني (حدك)، انظر (باللغة الفارسية):

http://fa.kurdistanukurd.com/

https://fa.wikipedia.org/wiki/%D8%AD%D8%B2%D8%A8_%D8%AF%D9%85%D9%88%DA%A9%D8%B1%D8%A7%D8%AA_%DA%A9%D8%B1%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_(%D8%AD%D8%AF%DA%A9)

(8) للمزيد حول الحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني (حدكا)، انظر (باللغة الفارسية):

https://fa.wikipedia.org/wiki/%D8%AD%D8%B2%D8%A8_%D8%AF%D9%85%D9%88%DA%A9%D8%B1%D8%A7%D8%AA_%DA%A9%D8%B1%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_%D8%A7%DB%8C%D8%B1%D8%A7%D9%86

(9) للمزيد حول حزب بيجاك/حزب حيات ازاد كردستان، انظر (باللغة الفارسية):

http://pjak.eu/fa/

https://fa.wikipedia.org/wiki/%D9%BE%DA%98%D8%A7%DA%A9

(10) للمزيد حول نشاطات المنظمة، انظر موقعها الرسمي على الرابط التالي: https://www.mojahedin.org/home/ar

(11) _____, “Israeli Think Tank: Iran-Turkey Ties Are Cause for Concern”, Middle East Monitor, September 27, 2017:

https://www.middleeastmonitor.com/20170927-israeli-think-tank-iran-turkey-ties-are-cause-for-concern/

(12) Daniel Pipes, “Iran Versus Turkey, Again: The Middle East’s Great Rivalry isn’t Likely to End”, The Washington Times, August 22, 2017:

http://www.washingtontimes.com/news/2017/aug/22/middle-east-rivalry-between-iran-and-turkey-interm/

(13) Daniel Pipes, “Iran Versus Turkey, Again: The Middle East’s Great Rivalry isn’t Likely to End”, The Washington Times, August 22, 2017:

http://www.washingtontimes.com/news/2017/aug/22/middle-east-rivalry-between-iran-and-turkey-interm/

(14) Ali Mistafayev, “Details or Turkey-Iran Military Operations in Iraq Revealed”, Azer News, August 22, 2017:

https://www.azernews.az/region/117955.html

(15) _____, “Turkish-Iranian Military Co-ordination”, Voltaire Network, October 13, 2017:

http://www.voltairenet.org/article198347.html

(16) Dmitriy Sudakov, “Turkey and Iran Sign Military Agreement against Russia”, Pravda Report, August 18, 2017:

http://www.pravdareport.com/world/asia/18-08-2017/138454-turkey_iran-0/

(17) _____, “Turkey and Iran: Bitter Friends, Bosom Rivals”, Crisis Group, December 13, 2016:

https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/gulf-and-arabian-peninsula/iran/b051-turkey-and-iran-bitter-friends-bosom-rivals

(18) Ahmad Majidyar, “Iran and Turkey Discuss Ways to Cooperate in Syria and Iraq”, Middle East Institute, August 16, 2017:

http://www.mei.edu/content/article/io/iran-and-turkey-discuss-ways-cooperate-syria-and-iraq