قطر التي ساعدت إيران خلال السنين الماضية، ولاسيما بعد انطلاق شرارة الفوضى العربية عام 2011، على نشر الإرهاب ودعم الجماعات المتطرفة في الدول التي اجتاحتها فوضى ما يسمى بالربيع العربي، لم تدخر في المقابل أي جهد في محاولة زعزعة أمن واستقرار الدول الآمنة وخاصة الدول الخليجية الشقيقة، حيث كان الغموض والتآمر المسيطر الأساسي على سياسة قطر وسلوكها تجاه تلك الدول، وتحت غطاء الذرائع الإنسانية والمنظمات الخيرية عبثت الأيادي القطرية بأمن واستقرار الدول، مستغلة العلاقات الأخوية التي تبديها الدول الخليجية والعربية تجاه الشقيقة قطر في محاولة مد يد الغدر إليها والعبث بأمنها وتلاحم أبنائها وتماسك مجتمعاتها.

بعض المقارنات بين القرارات والسياسات القطرية وسلوك الجماعات المتطرفة والنظام الإيراني في المنطقة، يوضح تماشي النظام القطري مع أعداء البشرية والأمة العربية والإسلامية منذ زمن بعيد، غير أن حكمة قادة الدول العربية أعطت مئات الفرص للنظام القطري للعدول عن نهجه العدائي تجاهها حتى لا نخسر دولة عربية شقيقة، ليطغى عناد الحمدين على تلك الحكمة ويجعل بعض الدول العربية تقرر مقاطعة الدوحة المخطوفة، من أجل المحافظة على أمن تلك الدول واستقرارها وسلامة شعوبها وشعوب المنطقة، والهدف هو قطع يد العابثين وتجفيف منابع الإرهاب ووضع حد لتدخل النظام الإيراني الذي كان يعتلي الدوحة كجسر لمد يد الغدر إلى الدول العربية والخليجية، لتتحول الدوحة إلى مركز تجسس إيراني إخواني، ومرتعا لقادة الإرهاب.

إن مقاطعة قطر جاءت نتيجة للصراع بين الحكمة السياسية والسياسة الحكيمة التي مارستها وتمارسها السعودية والإمارات وباقي الدول العربية الآمنة، وبين السياسة العدائية والهوجاء التي مارسها ولا يزال يمارسها نظام الحمدين.

هذا العناد أسفر عن خطف إيران والإخوان لقرارات الدوحة، ودفعها إلى نقطة اللاعودة في حال استمرار النظام الحاكم، والسبب كما تبين، أن النظام القطري غير قادر مطلقا عن التراجع عن مواقفه وسياساته في دعم الإرهاب بسبب ارتهان بقائه باستمراره في دعم الإرهاب، وفي حال أوقف ذلك فإن خطورة زواله ستأتي من الجماعات والتنظيمات الإرهابية التي دعمها في الماضي، وعلى أقل الاحتمالات فإنها ستفضح جرائم النظام القطري ودعمه للإرهاب في نقاط ومساحات ليست مكشوفة حتى الآن، وما خفي من سلوك الحمدين أعظم مما كشف حتى الآن رغم فضاعة إرهابيته.

ووفقا لمتابعاتنا الدقيقة للسلوك القطري، وما عقدناه من مؤتمرات وأعددناه من دراسات وأبحاث في مركز المزماة للدراسات والبحوث، فإن النظام القطري سيستمر في تقديم الدعم للجماعات الإرهابية وبالتنسيق مع الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس الذي يتزعمه أخطر إرهابي في العالم وهو قاسم سليماني مهندس الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط، وسيعزز من علاقاته مع كيانات ورموز النظام الإيراني وخاصة الأصولية المتشددة ويفتح معها قنوات اتصال في عدة نقاط في المنطقة، ولاسيما مع حزب الله الإرهابي المصنف من أكثر الجماعات الإرهابية الموالية لإيران في المنطقة والأكثرها عدائية للأنظمة العربية، ما يعني في طبيعة الحال سعي النظام القطري أيضا إلى دعم جماعة الحوثيين ومحاولة مساندة إيران في مدهم بأسلحة وصواريخ تشكل تهديدا على أمن وسلامة دول الخليج العربي وخاصة السعودية والإمارات، وسيكون أساس محرك هذا الدعم هو الحقد الشخصي لرموز نظام الحمدين ورغبة الانتقام من السعودية الإمارات التي سعت إلى وضع نقطة نهاية للسلوك القطري الخطير في المنطقة.

والأشد إحراجا للنظام القطري هو الكشف عن فضيحة جديدة في تعامله مع الأزمة تتمثل في استدعائه لقوات بحرية إيرانية للتمركز قرب مياه قطر الإقليمية خوفا من اجتياح عسكري إماراتي، وهو ما كشفه موقع “تابناك” التابع للحرس الثوري الإيراني، حيث قال تقرير نشره الموقع أن أحد المسؤولين القطريين قد كشف أن إيران أرسلت قوات بحرية في مياهها الإقليمية بالقرب من قطر حتى تحمي الدوحة من اجتياح عسكري قد تنفذه القوات الإماراتية، وهو نجاح إيراني في السيطرة حتى على التفكير السياسي القطري، إذ سعت طهران من باب نشر الفتن وشق الصفوف منذ بداية الأزمة إلى إقناع النظام القطري بوجود مخطط إماراتي سعودي عسكري لاجتياح الدوحة وإسقاط النظام.

إن التاريخ سيسجل دوافع مقاطعة قطر ومدى حكمة هذا القرار بعد انكشاف حقائق الأهداف القطرية ونشر فضائح سلوك نظام الحمدين التي تحولت إلى تهديد مباشر له ومحرك وذريعة واضحة للشعب القطري وبعض الرموز المعارضة للخلاص من هذا النظام بأي ثمن كان قبل فوات الأوان وضياع البلاد، لأن استمرار نظام الحمدين بات يعني باليقين أن قطر تتجه في نفقين مظلمين، إما صوملتها وإما تفريسها!!

غير أن الشؤون المصيرية للشعوب العربية والتي لا تخرج عن إطار محاربة الإرهاب ووضع حد للاحتلال الإيراني والصهيوني لأجزاء من المناطق العربية، وتضمين الوحدة بين المسلمين والتآلف بين شعوب المنطقة، فهي حاضرة بشكل دائم في السياسة الحكيمة التي تنتهجها القوى العربية الصاعدة وعلى رأسها السعودية والإمارات ومصر والبحرين والأردن، وهو تحالف عربي مدعوم إقليميا ودوليا بات يعمل بجدية وحزم وسنرى نتائج إيجابية يعكسها ثراء الأمن والاستقرار.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

14 نوفمبر 2017