مع إصرارها على مواقفها وسياساتها التخريبية، بدأت قطر تخسر تدريجيا ثقة الدول الغربية التي تستجدي بها وتعقد عليها الآمال في دعم مواقفها في الأزمة الراهنة مقابل تنازلات اقتصادية وامتيازات تجارية.

منذ بداية الأزمة الراهنة برزت عدة مؤشرات تدل على هبوط ثقة المجتمع الدولي وخاصة الدول الغربية والعربية بالنظام القطري، أهمها الادعاء الذي يكرره المسؤولون القطريون منذ بدء الأزمة من أن الدوحة لم تتأثر سلبا بالمقاطعة بغية خداع الشركات الغربية بالاستثمار أو الاستمرار بالاستثمار في قطر رغم أن الواقع عكس ذلك ويؤكد أن الاقتصاد ينحدر نحو الركود بشدة، ويمكن إثبات ذلك بمثال واحد، وهو أن مؤشر البورصة في السوق المالي القطري قد تراجع خلال الفترة من يونيو الماضي حتى الآن أكثر من ألف نقطة، وهذا مؤشر واضح ينسف كافة ادعاءات قادة النظام القطري بأن المقاطعة لم تؤثر على الاقتصاد القطري، كما أن التداول اليومي في أسواق قطر المالية قد تراجع بشكل كبير أيضا، ما دفع الكثير من الاستثمارات الأجنبية إلى الهروب من قطر.

وعملية خروج الاستثمارات الغربية من قطر تدل على فقدانها للثقة بالاقتصاد القطري وكذلك تطمينات المسؤولين القطريين الخادعة، وقد انعكست عملية خروج رؤوس الأموال القطرية على الجانب السياسي بشكل ملحوظ حين تغيرت في الآونة الأخيرة لهجة العديد من المسؤولين الأوروبيين تجاه النظام القطري، وهذه الانعكاسة في السياسة تعتبر ردة فعل طبيعية، لأن هروب الاستثمارات من قطر يكشف عن سوء إدارة سياسية في المقام الأول، ويوضح حجم النفاق السياسي الذي يمارسه النظام، وفي المقام الثاني فإن بعض الدول الغربية كان لها مصالح مالية مع النظام القطري، ومن أجلها كانت تتغاضى عن سلوكه المخرب، وبعد ذهاب هذه المصالح ذهب دافع الدفاع عن قطر أو غض الطرف عنها.

وبعد رصد ودراسة مواقف الدول الغربية والمسؤولين الأوروبيين تجاه الأزمة القطرية في الوقت الراهن ومقارنتها بمرحلة بداية الأزمة، تبين أن المجتمع الدولي أصبح لا يثق بقطر، وأن هذه المواقف تنضم تدريجيا إلى مواقف الرباعي العربي، وتتجه بشكل متصاعد إلى إدانة النظام القطري والمطالبة بوضع حد لسلوكه المخرب لاسيما بعد ارتمائه بأحضان النظام الإيراني وإقامة علاقات مشبوهة مع الحرس الثوري وفيلق القدس وحزب الله وغيرها من التنظيمات والجماعات المصنفة إرهابيا.

أما أسباب خسارة قطر لثقة المجتمع الدولي وخاصة الغربي الذي كان يستجدي به النظام القطري فهي نفس الأسباب التي دعت دول الرباعي العربي إلى قطع علاقاتها مع الدوحة، ما يعني أن هذه الدول سبقت دول العالم في اكتشاف خطورة السلوك القطري على الأمن الإقليمي والدولي، فإصرار النظام القطري على دعم الإرهاب، ورفضه المطالب العربية لحل الأزمة، وفقدان الحكمة في السياسة القطرية، وإقامة علاقات خطيرة مع التنظيمات الإرهابية والنظام الإيراني، وتردي الأوضاع الاقتصادية في الداخل القطري، واتساع رقعة المعارضة في الداخل والخارج، جميعها أدت إلى قطع ثقة الغرب بالنظام القطري، وهي نفس الأسباب التي دفعت الدول العربية إلى مقاطعة النظام القطري، ومن هنا تتجلى حكمة قرار المقاطعة.

إن فقدان الثقة في الوضع السياسي ومن ثم الوضع الاقتصادي القطري، أضعف تدريجيا ثقة العالم كله في دولة قطر، وهو ما يتحقق الآن بالفعل، فالدول أصبحت لا تثق بالنظام القطري، رغم أن رموزه حرصت على الإيحاء بأن علاقات الدوحة بالخارج جيدة بعد المقاطعة.

فقدان ثقة الدول الغربية بقطر جاءت نتيجة مباشرة لفقدان ثقة محيطها العربي والخليجي بها، وما غاب عن الفكر السياسي القطري بأن ثقة الدول والشعوب لا تشترى بالمال، لكن بحسن التصرف وحكمة السياسة وإنسانية المواقف.

مركز المزماة للدراسات و البحوث

15 نوفمبر 2017