إن التهور السياسي، وجنون العظمة، وسيطرة فاقدي الحكمة والرزانة على زمام الأمور، قاد دولة قطر الشقيقة إلى تشعب خطير جدا، وضعها بين فكي كماشة التفريس أو التتريك، ومصطلح التفريس هو مفهوم ملالي يطلق على عملية تحويل أشخاص ومناطق جغرافية من ثقافاتها الأصلية إلى الفارسية الإيرانية بطريقة قسرية أي بالإكراه أو الإجبار والقهر أو الخداع، والتتريك بنفس المعنى، ولكن تحوليها إلى التركية، وهذه المصطلحات هي في الحقيقة عناوين لأخطر المخططات التي تحاك ضد الأمة العربية والإسلامية لاسيما أنها تتخذ من الدين غطاء لها، على عكس المشروع الصهيوني باعتباره مخطط مكشوف لعدو معروف لدى كل العرب والمسلمين.

المشكلة الأساسية التي سيدرك النظام القطري أنه أقحم نفسه والبلاد فيها، هي أنه سيجد نفسه فريسة أمام أطماع دولتين تريد كل واحدة منهما الحصول على أكبر الغنائم من هذه الدولة الصغيرة ذات الثروات المالية والنفطية والغازية الهائلة.

ومن متابعة المواقف الإيرانية والتركية تجاه الأزمة القطرية من جهة، ومن جهة أخرى مواقف طهران والدوحة تجاه بعضها البعض من الأزمة، وما حدث مؤخرا من تقارب وتنسيق إيراني تركي إخواني حول قطر، عبرت عنه العديد من الأحداث والتصريحات، يتبين وجود مخطط إيراني تركي إخواني يهدف إلى تقاسم الثروات القطرية بذريعة الأزمة الراهنة ودعم مواقف الدوحة مقابل دول الرباعي العربي حتى تصبح قطر رهينة بيد إيران والإخوان.

في المرحلة الراهنة لا تزال التفاهمات والاتفاقيات على ما يرام بين تركيا وإيران وقطر، بل هي في واقع الحال اتفاقيات وصفقات تم عقدها سرا بين الثلاثة أطراف، ويدل على ذلك وجود قوات تركية وأخرى إيرانية على الأراضي القطرية وتقسيم الواجبات والمهام بين الطرفين لحماية نظام الحمدين الذي أصبح أسيرا ومختطفا لدى هاتين القوتين، باعتباره الأداة أو السكين الذي من خلالها سيتم تقسيم الغنائم القطرية ونهب خيراتها مقابل حماية نظام الحمدين من السقوط لفترة أطول.

ومنذ بداية الأزمة القطرية، سعت هذه الجهات الطامعة إلى تحريض النظام القطري على الإصرار على مواقفه وعدم الاستجابة لمطالب الدول المقاطعة، بعد أن وضعت له العديد من الضمانات بأنها ستسانده وتدعمه في كل المجالات وخاصة السياسية والإعلامية والأمنية والاقتصادية، وعملت على خداع الدوحة عبر تقارير استخباراتية مفبركة بوجود مخطط عسكري ضدها يهدف إلى قلب نظام الحكم، من أجل فتح الطريق أمام التواجد العسكري والأمني، وتسعى هاتين القوتين الآن إلى جعل تواجدها العسكري طويل الأمد، وللسيطرة على الموارد الاقتصادية بدأت تعزز تواجد شركاتها الاقتصادية للتحكم بالأسعار والسلع واستغلال كل ما يمكن استغلاله من أجل تحقيق الأرباح، لدرجة أنه تم الكشف أن بعض السلع الإيرانية التي دخلت قطر فاسدة ومنها منتهية الصلاحية.

إن الخطر الأكبر على مستقبل قطر هو جهل رموز النظام الحالي بحقيقة المشاريع الإيرانية والتركية في المنطقة، والتي عادة ما تبدأ باللين وحسن الصداقة وعذب اللسان وتحت مسميات الاتفاقيات والمساعدات الإنسانية والحمايات الأمنية والمؤسسات الخيرية، وتنتهي بالتفريس والتتريك، حيث من المؤكد بعد نهب خيرات قطر والسيطرة على قرارها السياسي أن تبرز خلافات بين القوتين الطامعتين حول نهب الثقافة والأراضي كونها لا تقبل التقسيم لوحدة الثقافة وصغر الأراضي، ما يجعل قطر تغوص في فوضى الخلاف بين التفريس والتتريك ثم مواجهتها خطر الصوملة.

ثم إن العلاقات بين تلك الأطراف الثلاثة لا تعتبر أبدا تحالفا صلبا أو استراتيجيا، وإنما هي عبارة عن ناتج معادلة التقاء الأطماع وتوافق المصالح، وهي حالة أغلب التفاعلات السياسية في المنطقة والعالم التي لا تكون فيها العلاقات مصيرية، والتي وإن شهدت تكتلات تبدو أنها صلبة، لكنها ستكون قصيرة الأجل، وتحول العديد منها في معظم الأحيان إلى تحالفات غير مستقرة وهشة وربما صدامات بعد فترة قليلة.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

20 نوفمبر 2017