ما لا يتنبه إليه النظام الإيراني وربما ما عاد بإمكانه تصديقه هو أن سياسة الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة قد تغيرت، ولم تعد بإمكانها غض الطرف عن سياسات إيران العشوائية والهمجية  بعد تمرد الحرس الثوري وأدواته في المنطقة وتهديد الأمن والاستقرار العالمي، ما جعل الولايات المتحدة تعمل إلى بداية نسف أي تحالف استراتيجي بين إيران وقوى عظمى خاصة الروس والصين، وقد برزت مؤشرات تدل على تعهد هاتين القوتين للرئيس الأميركي في فيتنام بعدم الوقوف إلى جانب طهران بأي عملية عسكرية قد يشنها أي طرف على إيران مقابل أن تتعهد الولايات المتحدة بالمحافظة على مصالح موسكو وبكين في منطقة الشرق الأوسط وعدم المساس بها.

إن استقواء إيران بالروس والصين يعتبر أكبر كأس خداع تجرعه نظام الملالي، حيث توقع أنه من الممكن من خلال منح هاتين القوتين امتيازات اقتصادية وتنازلات سياسية وعسكرية كوضع قواعد عسكرية إيرانية تحت إدارتها، بأن إيران ستتحول إلى قوة إقليمية يعتمد عليها كشرطي خليج، لا سيما أن سياسة أوباما السابقة تجاه منطقة الشرق الأوسط كانت هزيلة وغير هادفة وانهزامية، وبشكل مقصود أو غير مقصود صبت لصالح إيران وأذرعها في المنطقة، واستوعب النظام الإيراني أن أميركا قد أعطته الضوء الأخضر للتمدد في المنطقة عبر نشر الفوضى الخلاقة وتشكيل جماعات إرهابية، باعتبار ذلك سيدفع أنظمة وجيوش المنطقة إلى دفع مئات المليارات من الدولارات للولايات المتحدة بهدف التسلح، وبالفعل وبعد انقضاء حاجة الولايات المتحدة من داعش وغيرها من الجماعات الإرهابية انتهت حاجة الولايات المتحدة لنظام الملالي، وبعد إعلان طهران عن ظهور تنظيم داعش أعلنت اليوم عن نهايته في رسالة وجهها مهندس الإرهاب قاسم سليماني للمرشد علي خامنئي، والتي إذا درست جيدا فإنه يمكن اعتبارها نهاية لنظام الملالي.

إن الأحداث التي تلت احتلال الولايات المتحدة للعراق، وما أنتجتها من توسع إيراني في العراق بعد عام 2003، كشفت في الحقيقة عن مشروع “صفقة القرن” بين واشنطن وطهران، حيث تعهدت الأخيرة على وضع كافة القوى الشيعية التي تأتمر بأمرها تحت إرادة الولايات المتحدة ومساعدتها على إسقاط نظام صدام حسين، مقابل أن تسمح الولايات المتحدة بتواجد إيراني في العراق شريطة عدم المساس بأي قوات أو مصالح أميركية، وكانت هذه هي  طعم خداع نظام الملالي الذي توقع أن تستمر الولايات المتحدة في السماح للنظام الإيراني بالتمدد في المنطقة على حساب الدول العربية.

ولكن عندما تمرد النظام الإيراني واجتمعت فيه عناصر الخراب، وأخذت السياسات الإيرانية تتراوح ما بين شهوة السلطة والجموح غير المنضبط والتهور الدامي اللامحدود، وباتت إيران تشكل أكبر تهديد عالمي، تغيرت التقارير الاستخباراتية التي كانت تقدم إلى مكتب الرئيس الأميركي بشكل دوري، وأصبحت تدعو إلى ضرورة الخلاص من النظام الإيراني لأسباب عديدة، ما جعل السياسة الأميركية تضطر إلى الاستجابة لهذه التقارير وتقرر بحزم وقف النشاط الإيراني المدمر في المنطقة بعد التنسيق مع المجتمع الدولي وخاصة الغربي وروسيا والصين حليفتا إيران.

وبسبب جمود الفكر السياسي الإيراني، وعدم قراءة قادة الملالي للواقع أو لترابط المصالح والسياسات على مستوى العالم بشكل منطقي بعيد عن فكر الخميني، فشل النظام الإيراني في فهم أبعاد السياسة الجديدة في المنطقة، وأصر على اتباع سياسة العدائية تجاه الدول العربية، ما يعني أن قادة إيران لا يزالون غير قادرين على فهم جدية تحركات المجتمع الدولي واحتمالية توجيه ضربة عسكرية ضد إيران ونتائج ذلك على الداخل الإيراني.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

21 نوفمبر 2017