كثيرا ما كنا نقرا قصص الجواسيس عندما كنا في مرحلة الشباب في السبعينيات والثمانينيات ونعجب بها أو نخاف منها، وكانت تلك القصص تخلق لدينا جوا من التوجس والحذر من كل ما يمت بصلة إلى العالم الخارجي، وكنا نعتقد بأن جميع الأجانب الذين نراهم في بلادنا هم جواسيس ويمتد نسيج خيالنا في بعض الأحيان إلى تصورات كثيرة وشكوك في الكثير من الأمور يعجز الجاسوس نفسه في بعض الأحيان عن التفكير بتلك الأساليب أو قد لا تخطر على باله، وكان عالم الجاسوسية عالما غريبا وسريا وظلاميا للغاية، وكانت الجاسوسية مرتبطة بأجهزة الاتصال اللاسلكية المعروفة في ذلك الزمن كأجهزة المورس أو الراديو، وخلال الحرب العراقية الإيرانية كان عملاء إيران في الجانب العراقي من الجبهة يستعملون التورج لايت اليدوي (الذي كنا نستعمله في التنقل أثناء الليل في الجبهة لعدم توفر الكهرباء والإضاءة الاعتيادية ) لإرسال المعلومات إلى العدو عن مواقعنا ومرابض المدفعية والدبابات العراقية ومواقع القيادة، وكانوا يستعملون نفس أسلوب المورس الذي يعتمد على إرسال ذبذبات الضوء ضمن شيفرة معينة يعرفها الطرفان، وكان في بعض الأحيان يرسل الذبذبات أحد أفراد الجيش الإيراني الذي كان قد تسلل إلى خلف خطوط الجيش العراقي ويخاف أن يتصل مع الجيش الإيراني باللاسلكي لكثرة أجهزة الرصد في خطوط الجيش العراقي فيتصل بالضوء، وعالم الجاسوسية قديم وقد تم تدريسه في بعض الجامعات في العالم بشكل علوم مباشرة أو علوم تمهيدية للدخول في عالم الجاسوسية، وعلى سبيل المثال إلى يومنا هذا يطلق على كلية سانت انتونيس التابعة إلى جامعة أوكسفورد كلية الجواسيس لعدة أسباب منها أن أشهر الجواسيس وخلال المئة عام الماضية إلى يومنا هذا قد تخرجوا من تلك الكلية (قسمي الاجتماع والأنثروبولوجي).

بعد التطور العلمي الكبير الذي حصل خلال الثلاثين عاما الماضية قد قلب عالم الجاسوسية رأسا على عقب، فالمعلومات التي كان الجاسوس في السابق يجهد نفسه ويعرضها للخطر ويصرف الكثير من الوقت والمال والجهد للحصول عليها يتمكن أي إنسان عادي اليوم أن يجدها على شبكة الانترنيت في محركات البحث وغيرها من المواقع، وفي أسوأ الحالات في حال تعثر الحصول على معلومة غامضة أو جديدة، يتم تصوير المنطقة المراد الحصول على معلومة عنها بواسطة الأقمار الصناعية وبعض الدول مثل الولايات المتحدة الأميركية فإنها تضع معلومات وزارتي الدفاع والداخلية على الانترنيت، وفي نفس السياق فإن توفر أجهزة الهاتف والكاميرات المتعددة الأغراض وأجهزة نقل الصوت والصورة قد أسهم في تقريب أو إيصال كافة المعلومات المطلوبة، فهل انتهى عالم الجاسوسية اليوم بعد!! أن أصبحت المعلومات السرية متوفرة ومعروفة للجميع؟

أول من بدأ النشاط الجاسوسي في الشرق الأوسط بشكل واسع ورسمي هي بريطانيا، وكما هو معلوم فإن بريطانيا قد استفادت من تجربة جاسوسها المعروف لورنس المعروف بلورنس العرب وما نقله إلى دوائر مخابراتها من معلومات مثيرة حول المنطقة.

إن النشاط الجاسوسي البريطاني الرسمي والموسع بدأ منذ بداية احتلالها الخليج العربي والعراق في فترة انهيار الإمبراطورية العثمانية حيث كانت أولى خطواتها الجاسوسية في الشرق بشكل رسمي إنشاء مركز أنثروبولوجي سري يشبه تشكيله لجنة دراسات داخل الحامية البريطانية في مدينة البصرة لدراسة القبائل والأديان والمذاهب كمرحلة أولى للتعرف على الطرق المناسبة للسيطرة على المنطقة من خلال تأجيج الصراعات القبلية والدينية والمذهبية، وكان محور عملها في البداية مقتصرا على التحالف الثلاثي الأقوى والأقدم في المنطقة (الصباح في الكويت والنقيب في البصرة وخزعل الكعبي في المحمرة) حيث قامت بتدمير ذلك التحالف لمصلحتها وقامت بقطع الصلات بين العوائل الثلاثة التي كانت نموذجا للتحالف والتعايش وكأنهم عائلة واحدة في ثلاث اماكن متفرقة، وبعد ذلك امتد نشاطها إلى كافة المنطقة، وكانت تجمع المعلومات عن الكيانات الموجودة في ذلك الوقت في ضفتي الخليج العربي وإمارة المحمرة والعراق وإيران، ويقوم خبراؤها بتحليل تلك المعلومات وتنسيقها بما يناسب رسم سياستها “فرق تسد” المعروفة، وكما هو معروف فإن مراكز الأنثروبولوجي البريطانية تقوم بتقديم كافة المعلومات الأولية لدوائر المخابرات والتي كانت تبني سياساتها بناء على تلك المعلومات.

 

فيلم جديد بعنوان (المجند) يعرض اليوم على شاشات السينما بطولة الممثل ال باتشينو الذي يروي قصة الشاب جيمس كلايتون المتفوق علميا في دفعته الدراسية والذي يقابل بالصدفة والتر بروك الذي يعمل في تجنيد الأفراد للعمل في المخابرات المركزية الأميركية، وحيث أن المخابرات الأميركية تختار العلماء والمتميزين للعمل كعملاء لديها فان جيمس كلايتون هو الشخص المناسب الذي وقع عليه الاختيار، الفيلم مثير للغاية فهو يروي تفاصيل عمل أجهزة المخابرات الأميركية. إن السي أي أيه والتي أخذت تهتم بالحصول على معلومات تفصيلية عن العرب والمسلمين بعد أحداث 11 سبتمبر وبدأ الآلاف من عملائها وموظفيها بتعلم اللغة العربية وقراءة القرآن الكريم وزيارة بعض الدول العربية تحت ذريعة السياحة وتطور عملها ليمتد إلى أنها ترسل ضباط مخابراتها لحضور المؤتمرات العلمية والمنتديات المختلفة في العالم والمنطقة العربية بشكل خاص والتعرف على العلماء أو المتميزين منهم للقيام بتجنيدهم كعملاء، وإلى جانب ذلك أخذت الكثير من الدول بإنشاء مراكز تجسس رسمية في مناطق مختلفة تحت مسمى جمعيات خيرية أو مراكز ثقافية أو مراكز تنمية أو مراكز تقديم مساعدات أو مراكز مساعدة اللاجئين وتقوم من خلال تلك المراكز بعمل مزدوج هو التعرف على ما يجري في الأرض وربط تلك البلدان مع البلد الأصلي بشكل مستمر للتعرف على أحدث المستجدات وبشكل سريع ومن أرض الواقع، ومن البديهي أن تقوم السفارات والهيئات الدبلوماسية بالعمل على تجنيد شخصيات عليا من الذين تلتقي معهم، وقد يقومون بمصارحة الآخرين للتعاون معهم مستغلين جرأتهم تلك من ما توفره لهم الحصانة الدبلوماسية.

 ومع الحرب الدائرة في العراق منذ 2003 وفي سوريا وليبيا واليمن منذ ستة سنوات وهروب الملايين، قامت بعض الدول المستضيفة للاجئين بخلق طبقة من الجواسيس تقوم باختيار وتجنيد نخبة من اللاجئين يكونون عملاء مباشرين لها من خلال هيئات الاستقبال والإغاثة، وفي خضم تدفق الأعداد الهائلة من اللاجئين إلى أوروبا ظهرت منظمات غبية تعمل في الظلام وتستغبي الآخرين وتستغل وجود المناخ الخصب لتجنيد الشباب من اللاجئين ومن المضحك المبكي وعلى سبيل المثال أن بعض تلك المنظمات الأوروبية التي لديها فروع في بعض العواصم العربية تقوم باختيار المثقفين من الشباب الطامحين بالحصول على لجوء ومنحهم منحة مدتها ستة أشهر يقيم فيها الشاب على حساب تلك الدولة ويمنح إقامة وسكن وطعام وتأمين صحي ورعاية اجتماعية هو وعائلته، وخلال تلك الأشهر الستة فقط لكي يتفرغ لكتابة مقال أدبي أو قصة قصيرة، وكل تلك المصاريف لتوفير الجو المناسب له لكي يبدع أدبيا في حين أن شعب ذلك الشاب يتعرض إلى إبادة وحرب ويتم تهجيره بالملايين من بلده وهو المدلل الذي اختارته تلك المنظمة (البريئة) بالصدفة لكي يقدم الإبداع الأدبي باللغة العربية التي لا تفهم تلك المنظمة البريئة منها حرفا واحدا.

حرب الجواسيس هي إحدى أهم مراحل غزو وتدمير العراق حيث بدأت حرب الجواسيس تلك قبل ستة أشهر من الغزو الأميركي للعراق، فقد قامت المخابرات الأميركية بتجنيد مئة وخمسين ألف عميل عربي من المقيمين في أميركا الشمالية للمساهمة في عملية الغزو وقامت بتشكيل فرق منهم من مختلف الاختصاصات كالمترجمين والأطباء والعاملين في عمليات الإغاثة والمقاتلين وفرق الاغتيالات وفرق اصطياد رؤوس نظام صدام وفرق الاتصال مع رؤوس المجتمع العراقي وفرق الوصول إلى الآثار والمتاحف والكنوز وفرق إحراق وتدمير المكتبات والمتاحف، وقامت أجهزتها الدبلوماسية بالاتصال مع كافة الهيئات الدبلوماسية العراقية للتعاون والعمل مع المخابرات الأميركية أو الانشقاق عن نظام صدام، وعند اشتداد الأزمة واقتراب موعد الغزو وفي الشهر الأخير قبل الغزو بدأت عمليات الاغتيالات المتبادلة بين عملاء المخابرات العراقية وعملاء المخابرات الأميركية حيث كان العالم مسرحا لتلك العمليات المتبادلة.

الصين تخوض حرب جواسيس من نوع آخر، فالصين مهتمة بالحصول على تكنولوجيا متطورة ومهتمة بالدخول إلى كافة الأسواق العالمية إلى جانب التجسس التقليدي حيث تزرع عملاءها في كافة بقاع الأرض فتجد الصينيين ينافسون الإيطاليين في تصميم الملابس، فمثلا في مدينة ميلانو المشهورة بتصاميم الملابس تجد شارعا صينيا لتصميم وخياطة وبيع الملابس في وسط المدينة وبطول كيلومتر أما محلات بيع البيتزا أيضا فهي منتشرة في مدينة ميلانو وتبيع أرخص من المطاعم الإيطالية وبنكهة افضل، سنويا ترسل الصين ملايين الصينيين مع كاميراتهم لتصوير أي شيء تقع أعينهم عليه حتى وصل بالصين أن تدخل صناعة السيارات الفرنسية وسرقت تكنولوجيا صناعة السيارة الكهربائية من فرنسا، ومازالت تلك القضية في المحاكم بين فرنسا والصين، ومن مشاهداتي الشخصية عندما تصل إلى آخر نقطة حدود اسبانية مع مستعمرة جبل طارق البريطانية وعلى المضيق من جهة والمحيط والبحر الأبيض المتوسط تجد المطاعم الصينية تقدم الاطعمة الصينية الممتازة والرخيصة فإنك تجد الصين في أي بقعة من الكرة الأرضية يعملون بصمت كأنهم خلية نحل.

روسيا تعمل بأسلوب تجسس مختلف آخر يضرب في العمق وحيث أن الاتهامات مازالت مستمرة بين أميركا وروسيا حول التدخل الروسي في نتائج الانتخابات الأميركية، نشاهد روسيا اليوم تلعب نفس اللعبة في أوروبا حيث تزرع عملاءها في دول الاتحاد السوفييتي السابق لكسب التأييد للأحزاب اليمينية لشق وحدة الاتحاد الأوروبي وابتلاعه، وقد نجحت الأحزاب اليمينية المتطرفة في الوصول إلى الحكم في بولندا وهنغاريا وبنسبة مؤثرة في في جمهورية الجيك، وفي نفس الوقت اتهمت ألمانيا المخابرات الروسية بالتدخل في الانتخابات الألمانية لخلق رأي عام غير حقيقي يعبث بسياسة ألمانيا وفعلا فقد تم تأسيس أحزاب يمينية في ألمانيا قبل ثلاث سنوات وقد تمكنت وخلال تلك الفترة القصيرة جدا ولأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية من الوصول إلى البرلمان بنسبة 11% لتتجاوز أحزاب عريقة وقديمة مثل حزب الخضر الذي مضى على تأسيسه أكثر من ثلاثين عاما، تسعى روسيا لتخريب الاتحاد الأوروبي بأسلوب الضرب في العمق ومن الداخل وهذا الأسلوب يتلخص في عدة محاور وهي – خلق تجمعات روسية داخل المجتمعات الأوروبية تعمل بصمت وبأسلوب النفس الطويل وتتلقى الدعم المباشر من روسيا حيث تسعى تلك التجمعات إلى تغيير الرأي العام الأوروبي لصالح أحزاب اليمين وذلك لوجود جالية روسية كبيرة في أوروبا انتقلت من روسيا خلال فترات زمنية مختلفة – خلق تجمعات مافيا روسية لنقل المخدرات والأسلحة وغسيل الأموال بين دول الاتحاد الأوروبي مستغلة انفتاح الحدود بين دول الاتحاد مستغلة وسائل النقل بالشاحنات والسيارات المتنوعة لتخريب اقتصاديات تلك الدول – خلق عصابات سرقة البنوك في دول الاتحاد الأوروبي لخلق جو من عدم الاستقرار باستعمال مافيا سرقة من دول أوروبا الشرقية السابقة مثل رومانيا وبلغاريا – التدخل المباشر في النشاط الإلكتروني ونشاطات الانترنيت في أوروبا بهدف التجسس على دول الاتحاد والأحزاب المؤثرة فيها أو القرصنة عند الحاجة – استغلال الكنيسة الأرثوذكسية الروسية للكنائس الأرثوذكسية في اوروبا لخلق راي عام اوروبي مساند لروسيا بنشاط مشابه لنشاط الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في سوريا التي قامت بتحويل الكنائس الأرثوذكسية الشرقية وبواسطة الكنيسة الأرثوذكسية السورية إلى دوائر مخابرات روسية سورية تنفذ تعليمات القيصر الروسي بوتين وحيث قام البطرق السوري الظي يراس الكنيسة الأرثوذكسية في الشرق على سبيل المثال بعزل كافة البطارقة غير السوريين وتعيين بطارقة سوريين في معظم كنائس الشرق وفرض سياسة مؤيدة لنظام الأسد وإدخال الكنيسة في دهاليز الحروب الدائرة في المنطقة وقد أثار ذلك التصرف حفيظة كافة الكنائس الأرثوذكسية في الشرق.

مصر وما تملك من موارد مالية وقوة بشرية وتأثير في سياسة العالم من أهم مناطق العالم اليوم في ميدان التجسس فمصر ومنذ عزل الرئيس حسني مبارك ووصول الإخوان المسلمين إلى الحكم وعزل رئيس الإخوان محمد مرسي واستلام الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم أصبحت مرتعا للجواسيس من مختلف دول العالم، فكل دولة تريد أن ترسل عيونها إلى مصر وتضع قدما لها في أرض مصر أو ترغب بالتأثير في الأحداث التي كانت تجري هناك وطبعا في دعم حركة الإخوان المسلمين، وفي دعم عمليات التخريب والإرهاب التي يقوم بها بقايا حركة الإخوان المسلمين في منطقة سيناء وباقي المناطق في مصر من خلال تلقي الدعم المباشر من حركة حماس أو من خلال الدعم المقدم من بقايا الإخوان من داخل مصر، وقد دخل إلى مصر نوع جديد من السائحين الأوروبيين، فجميعهم يتكلمون اللغة العربية بطلاقة ويعرفون مناطق القاهرة والجيزة بشكل دقيق ولهم أصدقاء مقربون من داخل مصر ويعرفون الأكلات العربية والمصرية فأين اختفى السائح الأوروبي الذي لا يفهم من اللغة العربية أي شيء ولا يعرف أي شيء عن الثقافة أو الأكل المصري، وظهر سائح جديد يتكلم العربية بطلاقة!! وجواسيس مصر حاولوا خلق رأي عام جديد مخالف لقانون الدولة أو عرف المجتمع أو الخط الفكري المعتدل لمرجعية الأزهر وإذكاء التفرقة بين المسلمين والأقباط بشكل مباشر أو من خلال منظمات مختلفة الأغراض والمسميات وأخذوا يروجون لأفكار غريبة عن المجتمع المصري بحجة الديمقراطية الجديدة.

وأخيرا إيران التي تستغل الدين والطائفية في تجنيد جواسيسها وعملائها في العالم تعتمد إلى جانب ذلك الأسلوب نفس أسلوب الإخوان المسلمين في خلق كيانات اقتصادية على شكل شركات يديرها عملاؤها في مختلف الدول يكونون مستعدين على الدوام للتبرع لها أو لتقديم الدعم المادي والمعنوي واللوجستي والتسهيلات للعملاء والجواسيس القادمين من إيران او الموجودين في تلك الدول، وتستغل البعثات الدبلوماسية الإيرانية المنتشرة في عواصم العالم للوصول إلى المعارضين واغتيالهم كما حصل الأسبوع الماضي عندما تم اغتيال مؤسس حركة النضال العربي لتحرير الأحواز في هولندا بمسدس كاتم للصوت.

بقلم: بسام شكري

21/11/2017

Bassam343@yahoo.com