منذ اعتلاء نظام الملالي السلطة عام 1979 تحولت إيران مباشرة إلى تهديد وخطر واقعي للمنطقة العربية بفعل ممارسات نظامها وسعيه إلى تصدير أفكار الثورة الخمينية بركوب أمواج العاطفة الدينية وبالمتاجرة بالقضايا العربية والإسلامية مدعيا في ذلك الوقت مقاتلته للعدو الصهيوني الذي وعد قادة النظام الإيراني بحذفه عن خارطة الوجود أكثر من ألف مرة، وتعمق خطر الملالي بعد استطاعته خداع بعض الشعوب التي اقتنعت بعض الوقت بأن إيران محور المقاومة ومركزا لمقارعة الاستكبار، لترفع فضائح طهران وجرائمها هذه الغمامة عن أعين المغرر بهم وتتحول إلى الخطر الأكبر على أمن المنطقة العربية، وتهديدا وجوديا متواصلا منذ اغتصاب الملالي لثورة الشعوب الإيرانية.

ما جعل الخطر الإيراني يتضخم بعد أعوام الحرب مع العراق هو استغلال إيران للوجود الصهيوني كقاعدة أساسية للهيمنة والتمدد في الدول العربية، عن طريق اختراق المجتمعات العربية تحت غطاء المساعدات الإنسانية والعلاقات الأخوية بين الشعوب الإسلامية وتعزيز القوات والقدرات لمواجهة المحتل الصهيوني، وكانت النتيجة أن شكلت إيران المجوسية جماعات وتنظيمات إرهابية كقوة احتياط جاهزة لضرب كل نزعة استقلال في الدول العربية وتهديدا لأنظمتها وممرا لمشروعها التوسعي.

أصبحت نتائج السياسة الإيرانية في هذا الاتجاه تصب جميعها لمصلحة الكيان الصهيوني، حيث أعطت هذه النتائج الذريعة لإسرائيل بالدفاع عن نفسها من الخطر الإيراني المتمدد من خلال توسيع نطاق الاستيطانات وتوجيه ضربات عسكرية وسياسية واقتصادية للدول العربية بذريعة حماية إسرائيل من الخطر الإيراني.

والنتيجة الحالية للسلوك الإيراني هي تحويل الصراع من عربي صهيوني إلى عربي عربي كأكبر خدمة تقدمها إيران لإسرائيل، حيث حرك النظام الملالي جماعاته الطائفية والتنظيمات الإرهابية في العراق وجماعة الحوثيين في اليمن ودعمت قوات بشار الأسد ضد الشعب السوري وخلقت الفتن في لبنان والبحرين، ونتيجة ذلك انشغال الدول العربية بالاقتتال والحروب عن القضية الفلسطينية.

وإذا عقدنا مقارنة في حصيلة السلوك الإيراني والأهداف التي يسعى وراءها الكيان الصهيوني، تكون إيران قد لعبت دورا رئيسيا يفوق دور الجيش الإسرائيلي في خدمة الكيان الصهيوني وتمكينه من التوسع وإضعاف الدول والشعوب العربية، فإضعاف العراق، وتدمير سوريا، وإشعال الفتن في لبنان والانقسامات في فلسطين، ونشر الفوضى في اليمن وصناعة الجماعات الإرهابية وإشغال الجيوش العربية في محاربتها، وتحويل الصراع من العربي الإسرائيلي إلى العربي العربي، جميعها أهداف مشتركة عملت عليها إيران والكيان الصهيوني جنبا إلى جنب ضمن مخططات صهيوجوسية سرية تهدف إلى تمدد إيران في منطقة الخليج وإسرائيل في منطقة الشام بعد إضعاف المقاومة العربية لهذه المشاريع التوسعية.

وما يستدعي اليقظة في المرحلة الراهنة هومستقبل المنطقة العربية، وانطلاقا من آليات المحافظة على الأمن القومي العربي، وبعيدا عن المهاترات الإيرانية الإسرائيلية التي لم ولن تخرج عن دائرة الكلام، هو أن هذا المخطط الصهيوجوسي لا يزال مستمرا، وهناك مؤشرات على تعاون إيراني إسرائيلي في سوريا لتحويلها إلى مركز تنطلق منه الأنشطة الشيطانية التي يسعى الطرفان من خلالها إلى مزيد من نشر الفتن والاقتتال، وسيكون لأذرع إيران وخاصة قاسم سليماني والموساد الإسرائيلي الدور الأكبر في تبني هذا المشروع.

وما على نظام الملالي إدراكه جيدا هو أن سياسة قلب الحقائق بالعنجهية والخداع، ومسرحية تحويل الهزائم إلى انتصارات، والإرهاب والقتل إلى مقاومة وحماس، واتباع أسلوب الإسقاط، لن تجدي نفعا بعد انكشاف كافة النوايا والأهداف، ولن تجد إيران أذانا صاغية ولا أتباعا جدد بعد سنوات طواحين الدم التي عاشتها الشعوب العربية في اليمن وسوريا والعراق، والتي باتت تعرف جيدا من هو الصديق ومن دفع إليهم بكرات النار.

مركز المزماة للدراسات و البحوث

28 نوفمبر 2017