من جديد برزت عدة مؤشرات في الآونة الأخيرة على وجود ارتباك وقلق كبيرين يسيطران على قادة النظام الإيراني، وسط تصعيد لهجة القوى العربية والإقليمية والعالمية تجاه السلوك الإيراني المخرب، وظهور بوادر لسياسة حازمة تهدف إلى الخلاص من سياسات نظام الولي الفقيه، والتي لن تنتهي إلا بنهاية هذا النظام، لأن الجميع أصبح على يقين بأن النظام الإيراني غير قابل للإصلاح والتغيير، ويتصف بالجمود ولا يقبل أي ليونة، ما يعني أن الطريق الوحيد لوضع حد للإرهاب الإيراني هو الخلاص من النظام وتغييره بالكامل، وهو مطلب إيراني إقليمي عالمي.

بدأت غيوم القلق والارتباك تغطي السماء الإيرانية بعد مجيء الرئيس الأميركي الحالي “دونالد ترامب”، وإعلانه صراحة ضرورة وضع حد لنشاط إيران التخريبي وأذرعها الإرهابية في المنطقة، باعتبار ذلك من ضروريات حماية الأمن الإقليمي والعالمي، وإعلانه بأن الاتفاق النووي أسوأ اتفاق في التاريخ، ويجب إلغاؤه باعتباره ساهم إلى حد كبير في تمويل الإرهاب الإيراني وفتح المجال أمام الحرس الثوري بالتمدد والانتشار في المنطقة، ما جعل عدد من القوى الإقليمية وخاصة العربية تسير في نفس هذا الاتجاه بعد اكتوائها بنيران الإرهاب، وتحول إيران إلى خطر وتهديد حقيقي لا ينبغي السكوت عنه بأي ثمن.

تضخم القلق وازداد الارتباك لقادة الملالي بعد التيقن بوجود حزم وجدية في التعامل مع إيران وأدواتها في المنطقة، فصعدت الولايات المتحدة والسعودية وحلفاؤها من حزمها ولهجتها وسياساتها تجاه طهران، رافقها دعوات شعبية حتى من الداخل الإيراني بضرورة الخلاص من النظام الإيراني، غير أن الخبراء يرون هذه الخطوة ضرورية جدا في الوقت الراهن ولكن لا بد أن تسبقها خطوات أخرى تتمثل في تهيئة الظروف في مرحلة ما بعد إسقاط النظام كالحرص على ضرورة وجود بديل أو حكومة انتقالية تدير البلاد خوفا من انزلاقها إلى فوضى عارمة لا تصب في مصلحة أحد.

أهم المؤشرات على ارتباك المشهد الداخلي الإيراني هو “استراق الانتصارات” و”صناعة الإنجازات الوهمية” والترويج لها بهدف التسويق المحلي وخداع الشعوب والأذرع الإيرانية والرأي العام بقوة النظام ونجاح سياساته، وقد تغنت وسائل الإعلام الإيرانية في الأيام القليلة الماضية بهزيمة تنظيم داعش ونهايته على يد “قاسم سليماني”، ونسبت هذا الانتصار لإيران والحرس الثوري، في تزييف واضح للواقع يكشف افتقار النظام الإيراني لأي إنجاز أو انتصار حقيقي يقدمه أمام شعبه بعد إهداره أموال الشعوب وثروات البلاد في تنفيذ مشروعه التوسعي التخريبي من خلال دعم وتمويل الجماعات الإرهابية والطائفية.

التصريحات المتخبطة للمسؤولين السياسيين والقادة العسكريين في طهران، والتي تحمل في جوفها شعورا بالهزيمة والانكسار، مؤشر بارز على ارتباك صناع القرار وعدم اتزانهم في التعامل مع المجتمع الدولي، فبعض هذه التصريحات تحمل “تهديدات عاجزة” لدرجة أنها تثير السخرية، ومنها تهديد “حسين سلامي” نائب قائد الحرس الثوري الإيراني أوروبا بزيادة مدى الصواريخ البالستية لأكثر من ألفي كيلومتر في حال تم تهديدها، وكذلك تهديد “محمد علي جعفري”  قائد الحرس الثوري تحذيره لأميركا من تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية، وقال إن قوات الحرس الثوري ستعتبر قوات الجيش الأميركي بمثابة داعش إذا نفذت ضدها العقوبات، وسيتم استهدافها، إضافة إلى مئات التهديدات التي أطلقها ولا يزال يطلقها قادة إيران للدول العربية والعالمية، والتي تهدف بالدرجة الأولى إلى خداع أنصار إيران في الداخل والخارج بقوة إيران الإقليمية، وأيضا لتخويف المجتمع الدولي من أي مواجهة عسكرية مع إيران.

من المؤشرات أيضا البدء بالتلميح بتنازلات وخضوع إيراني أمام موجة المطالبات بالمفاوضات مجددا حول البرنامج النووي الإيراني وكذلك إدراج البرنامج الصاروخي الإيراني ضمن هذه المفاوضات، فرغم كثرة التأكيدات التي صدرت من كبار القادة في طهران حول رفض أي تفاوض حول البرنامج الصاروخي الإيراني، إلا أن الأيام القليلة الماضية شهدت عدة دعوات من جانب التيار الإصلاحي للقبول بالتفاوض حول الصواريخ والخضوع لإرادة المجتمع الدولي تجنبا لسقوط الدولة، ما يدل على حالة تخبط وانقسامات وقلق بين قيادات طهران إزاء الاستجابة للرغبة الدولية في إعادة التفاوض حول الاتفاق النووي والصواريخ الإيرانية والسماح بزيارة وتفتيش المواقع العسكرية الإيرانية المشكوك بأنشطتها وتجاربها.

كما يعتبر ظهور الرئيس الإيراني السابق “محمود أحمدي نجاد” إلى المشهد السياسي مجددا علامة على تخبط وارتباك تشهده ساحات طهران السياسية، ويعيد تسليط الأضواء على تفاقم الصراع بين قيادات وتيارات النظام وحجم الفساد وترهل أركان الدولة، وهجوم نجاد الحاد على رئيس السلطة القضائية “آملي لاريجاني” وأشقائه واتهامهم بالفساد والاختلاس والخيانة، أثار تساؤلات عدة أهمها معرفة أسباب عدم اعتقال نجاد حتى الآن رغم تهجمه على أهم أركان الدولة، ما يعيد للذاكرة تهديد نجاد المستمر أثناء رئاسته لإيران بوجود قائمة كبيرة من أسماء رموز وقيادات النظام متورطين بقضايا فساد كبيرة إذا تم الكشف عنها ستكون أحد أهم مسببات ثورة عارمة في إيران، لا سيما أن عددا آخر من السياسيين الإيرانيين كانوا قد اتهموا رئيس السلطة القضائية آملي لاريجاني باختلاس المليارات وكشفوا وجود مئات الحسابات البنكية للاريجاني يتم إيداع الرسوم القضائية والكفالات فيها.

إن عودة الرئيس المتشدد محمود أحمدي نجاد، والذي رفض توصيات المرشد بالترشح للانتخابات، له معان كثيرة تكشف عن وصولية رموز النظام الإيراني ومدى سعيهم إلى تحقيق منافعهم الشخصية وسيرهم بالاتجاه المعاكس لمصالح الشعوب، والأهم من ذلك أن عودة نجاد في هذه الأيام تكشف حالة من الضعف والوهن تنتاب النظام الإيراني، لأن هذا الضعف هو من دفع نجاد للانقضاض على السلطة القضائية ومهاجمة رموزها، لعلمه أن معاقبته في هذه المرحلة ستزيد من المشاكل الداخلية التي يعاني منها النظام.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

29 نوفمبر 2017