مع تجدد الاحتفالات الرسمية والشعبية كل عام بذكرى اليوم الوطني الإماراتي، تكتسب مناسبة قيام الاتحاد المزيد من الأبعاد التي تكشف عن حكمة القيادة وتلاحم الشعب، كما تتأكد القيمة السياسية والحضارية الباهرة لمنجز الاتحاد الذي كان وسيبقى علامة فارقة ونقطة ضوء في ظلام الواقع العربي. وكلما تلاطمت أمواج الفوضى والشتات والتمزق من حولنا، تزداد عظمة الإنجاز الإماراتي الاتحادي، ونستشعر دائماً صواب التوجه الذي أوجد الكيان الوطني الإماراتي على أسس ثابتة ومتينة، تمتلك عوامل البقاء والخلود في الوجدان الجماعي للإماراتيين الذين ظلوا متحدين في كل الظروف.
لقد كان قيام اتحاد الإمارات حلماً يراود الأجداد ويتشكل فكره في العقول والأفئدة، لذلك عندما بادر مؤسس الإمارات الحديثة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بالإصرار على تحقيق هذا الحلم، سانده إخوانه حكام الإمارات ومن خلفهم الشعب الوفي لقيادته وهويته وتاريخه. ولابد أن تتحول مناسبة اليوم الوطني إلى فرصة لإعادة تأمل حجم ومكانة هذا الحدث الكبير الذي وضع في جغرافيا المنطقة دولة قوية بشعبها وإنجازاتها وطموحاتها المستقبلية.

وفي زمن التداعيات الدراماتيكية والانقسامات والحروب المدمرة، يستشعر المواطن الإماراتي النعمة التي يعيش في ظلها. فعندما نتحدث عن الاستقرار والتنافسية والحضور الإماراتي القوي على المستويين الإقليمي والدولي، فإن ذلك يقودنا حتماً إلى التمسك بعوامل الاستقرار الشامل في وطن الخير الذي وضع زايد أسس نهضته، كما استنهض عوامل القوة والديمومة التي يتميز بها منجز الاتحاد بكل مكوناته ومؤسساته وقواعده التي تمثل اليوم معالم الدولة الإماراتية الحديثة.

لقد كان التلازم بين حكمة وإرادة القيادة وبين تلاحم الإماراتيين من أبرز العوامل التي شجعت مؤسسي الاتحاد بقيادة الشيخ زايد على المضي في إنجاز حلم الآباء. وعندما يتكرر الثناء على القائد المؤسس مع حلول ذكرى قيام الاتحاد كل عام، فإن ذلك جزء من رد للجميل ومن إعلان الوفاء لصانع نهضة الإمارات.

وليس غريباً أن تتزامن احتفالات هذا العام مع الذكرى الـ46 لقيام الاتحاد ونحن على مشارف عام زايد، فعام 2018 سيشهد إحياء تقاليد زايد والتذكير بأقواله وفكره الاتحادي الذي كان يركز كثيراً على الأفعال وليس الأقوال.

يعلم المؤرخون للتحولات المعاصرة في منطقة الخليج أن حلم زايد الاتحادي كان أكبر بكثير من جغرافيا الإمارات التي نعيش في ظلها اليوم. لقد كان حلم زايد يشمل منطقة الخليج التي تمثل مركز العالم العربي الكبير. وبالفعل امتد تأثير اتحاد الإمارات إلى الوعي الخليجي ونجح بطل الفكر الاتحادي في الإمارات في الدفع باتجاه تأسيس مجلس التعاون الخليجي الذي يريد له بعض الحاقدين أن يتفكك مقابل أن يستمر ولاؤهم لتنظيمات متطرفة لا تعترف بالأوطان ولا تمتلك هوية واضحة المعالم لذلك يسقط أتباعها في الخيانة.

إن حماية منجز الاتحاد في الإمارات أمانة تتسلمها الأجيال الشابة، فبعد قرابة نصف قرن على ولادة الكيان الاتحادي الإماراتي لدينا أربعة أجيال من مواليد عهد الاتحاد الزاخر بالفخر والإصرار على تحدي المستحيل. ونقول لجيل الآباء المؤسسين إن جهدهم قد أثمر وإن تضحياتهم لم تذهب سدى، فقبل يومين احتفلت الإمارات بيوم الشهيد، وعندما نتأمل لوائح الشرف والبطولة التي تضم أسماء شهداء الإمارات، نجدها تتزين بأسماء لجنود من خيرة وأنبل شبابنا الذي لم يتوانوا عن تلبية نداء الواجب لحماية الأمن الوطني الإماراتي.

وبالعودة إلى ذكرى قيام الاتحاد، وكلما قمنا بمراجعة الدراسات والكتابات التي تأملت عوامل نجاح التجربة الإماراتية، نزداد يقيناً بحكمة القيادة التي تتجلى وتتواصل على يد أبناء زايد. ومنبع الحكمة في الإعجاز الاتحادي الإماراتي يتمثل في التمكين والتحفيز الذي تنتهجه دولة الإمارات العربية المتحدة منذ إعلان قيامها، بحيث أصبح كل مواطن شريكاً في الحفاظ على ثمار ومكاسب الاتحاد.

لقد ارتكزت المعادلة التي أنجزها المغفور له الشيخ زايد على عناصر واقعية وعملية في الآن ذاته، من خلال الربط بين مصلحة المواطن الفرد وبين منجز الاتحاد، وبهذه المعادلة تحققت ديمومة الاتحاد واكتسب قوة داخلية ومشروعية وطنية تحققت بإجماع كل الإماراتيين على المبدأ وعلى المرونة التي تجعل من الفكرة حقيقة ملموسة تستحق أن يبذل في سبيل الحفاظ عليها الغالي والنفيس. وهنا يكمن سر اتحادنا وسر وفائنا لقيادتنا.

بقلم: د. سالم حميد
تاريخ النشر: الأحد 03 ديسمبر 2017
رابط المقال في جريدة الاتحاد: اليوم الوطني تجديد للولاء والفخر