قطر من الداخل مختلفة كليا عن ما نراه ونسمعه في وسائل الإعلام  سواء تلك التي تروج لقطر والمملوكة أو الممولة من قبل قطر أو لإعلام قطر المتمثل بقناة الجزيرة وطوال فترة الأشهر الماضية منذ قرار مقاطعة قطر لإجبارها على التوقف عن دعم الإرهاب  لم يتم التطرق إلى مفاصل الحياة الداخلية بشكل دقيق وأتمنى أن تكون سلسلة مقالاتي هذه استعراض لأكبر نسبة من الحقائق عن الداخل القطري، ففي ظل كمية الدعاية الهائلة لتجميل صورة قطر وادعاء أن لمواطنيها أعلى نسبة دخل في العالم وهذا غير صحيح بالمرة وسوف أثبت ذلك بالأدلة خلال سلسلة المقالات هذه. إن غياب الرقابة الشعبية التي تمثل الرأي العام في قطر وغياب الرقابة الخليجية والعالمية على ما يحدث في داخل قطر وفي ظل غياب التواصل بين الشعب القطري والنظام الحاكم ومنذ انقلاب الشيخ حمد على أبوه فقد تحولت قطر إلى دولة دعاية وهي تسير بطريقة شركات العلاقات العامة الأميركية التي تجمل الصورة  بقدر المبالغ التي تستلمها .

بما أن العدل أساس الملك فإني أبدأ باستعراض النظام القضائي القطري أولا ففي قطر ليس هناك عدل بالمفهوم المتعارف عليه و النظام القضائي ونظام أصول المحاكمات قد تم تخريبه منذ انقلاب الشيخ حمد على أبوه الشيخ خليفة وتم إفساد غالبية من يعملون في السلك القضائي من خلال التجاوزات الكثيرة لحقوق المواطنين القطريين من قبل السلطة والمقربين منها، ومثل ما هو معروف فإن القضاة في محاكم قطر يتوزعون بين القضاة القطريين والقضاة العرب وأما المحامين الذين يترافعون في المحاكم فيجب أن يكونوا قطريين حصرا وهناك محامين عرب يعملون كمساعدين لهم يقومون بأغلب الأعمال لكن لا يحق لهم الترافع أمام القضاة . والمحامي القطري هو صاحب الترخيص وهو من يقوم بالترافع، إن النظام القضائي ومن خلال فساد السلطة العليا قد تحول إلى نظام بلطجة لا يمت للقانون والعدالة بصلة ومن يلتجأ إلى القضاء في قطر إما أن يكون جاهلا بما سيحصل له أو أنه يضمن نجاح قضيته قبل رفع القضية للقضاء من خلال ضمانته للقاضي الذي سيقضي في الموضوع أو من خلال وسائل ملتوية كثيرة سائدة يعرفها الجميع . والقاضي هو سلطة تتبع سلطة الدولة أو سلطة من له سلطة ولا يتبع سلطة القانون، فلو كانت هناك قضية على سبيل المثال المدعي فيها ليس له صلة بالقاضي والمدعي عليه له صلة بالقاضي أو أنه صاحب سلطة في البلد أو قوة فإن القاضي حتما سيكون مع المدعي عليه وسيعامل المدعي ( صاحب الدعوة ) خلال الجلسات كأنه مجرم  ولو تكلم في أي شيء لا يصب في مصلحة خصمه فإن القاضي سيقوم بإسكاته وبتهديده بالسجن أو طرده من قاعة المحكمة وكذلك لو قال الشهود شيء لا يصب في مصلحة صاحب القوة والسلطة في القضية فإن القاضي ومن تلقاء نفسه يهدد الشاهد بالسجن بمناسبة وبدون مناسبة ويقوم القاضي بعدم الأخذ بأي مذكرات يرفعها محامي المدعي إذا تضمنت إثباتات وقرائن أولا يعتبرها وسائل إثبات ويستمر القاضي بسياسة تجاهل المدعي والضرب على رأسه طوال الجلسات وقد يقوم بتأجيل الجلسات لمئات بل وآلاف المرات حتى يتمكن من تعجيز المدعي وفي النهاية يصدر قرارا متساهلا وغير عادل، والتأثير على القضاة سهل جدا من داخل قطر وحتى من خارج قطر وقد شهدت قضايا كثيرة اتصال أشخاص أصحاب نفوذ من خارج قطر وبالتلفون بقضاة وتم تغيير اتجاه القضايا حتى بدون أن يتأكد القاضي من هوية  صاحب نفوذ ذلك،  وهذا الشيء يسري على المحامين داخل قطر أيضا فلو كان المدعي عليه صاحب سلطة فإن المحامي سيتفق معه ضد موكله المدعي ( صاحب الدعوى المقامة ) وذلك مقابل أجر أو بدون أجر وفقط رغبة المحامي أن يكون إلى جانب صاحب القوة وفي غالب الأحيان يقوم بالاتصال بمحامي الخصم ويتفقان على موكله وهذا عرف معمول به داخل قطر يعرفه من تعامل مع القضاء ( فأنت لا تضمن أي محامي تقوم بتوكيله للدفاع عنك لأنه غالبا ما يتفق مع الخصم ضدك وأنت لا تضمن القاضي الذي يمكن أن يغير رأيه ويصدر حكم من خلال اتصال تلفوني من قبل خصمك في القضية إذا كان خصمك صاحب نفوذ  أو لقربه من نظام الحكم) وفي المقابل هناك قلة قليلة من القضاة لديهم قوة كافية للوقوف بوجه أصحاب النفوذ في قطر وأيضا هناك قلة قليلة من المحامين مازالوا نظيفين لأنهم زاهدين عن الحصول على منافع شخصية ومكاتب المحاماة لها نظام غريب عجيب فهناك مكاتب فيها جيش من المحامين يقوم بتنظيم القضايا وتوزيعها على فريق العمل وهناك سكرتارية تنظم العمل وعندما تدخل إلى تلك المكاتب ترى غرف تظم كل غرفة من أربعة إلى ستة محامين وهناك مكاتب فيها محامي قطري واحد ومحامي عربي واحد  وذلك المحامي العربي يقوم بعمل كل شيء وذلك المكتب يعتمد على سمعة المحامي وإسمه ومدى البلطجة التي يمارسها وهؤلاء المحامين معروفين في قطر، ولكي أعطي صورة أوضح ومثالا بسيطا عن هذا الموضوع أريد ان آخذ نموذجا من القضايا الشائعة في قطر، تقوم بلدية الدوحة بإصدار ترخيص بناء مشروع مجمع إسكاني لمواطن قطري عادي ويبدأ العمل بالمشروع  ويتم حفر الأساسات وصب القواعد الكونكريتية ومن قبيل الصدفة يمر أحد المتنفذين المقربين من النظام من أمام مشروع البناء ويعجبه موقع البناء وتعجبه الأرض فيعرض على صاحب البناء شراء المشروع (وبسعر بخس) طبعا وما أن يرفض صاحب مشروع البناء بيع المشروع حتى يتصل صاحب النفوذ بالبلدية بواسطة التلفون بنفس اللحظة ويأمرهم بسحب رخصة ذلك البناء والصادرة من البلدية نفسها وتنفذ البلدية أوامره و بدون إبداء أسباب أو تقول البلدية : نحن أصدرنا رخصة البناء بالخطأ أو تعطي أي سبب يجده مراقب البلدية فتسحب رخصة البناء ويتوقف مشروع البناء فيقوم صاحب المشروع باللجوء إلى القضاء ويبدأ الصراع بينه وبين البلدية وقد تستغرق القضية سنوات وفي النهاية وبعد سنوات من الجلسات القضائية والمساومات وفي أحسن الأحوال تقوم البلدية بتعويض مالك المشروع بمبلغ بسيط ( يسمى تعويض تأخير العمل ) في المشروع  فيضطر إلى بيع المشروع والذي هو عبارة عن أرض عليها أساسات بناء من الكونكريت والحديد فقط بسعر بخس لأنه قد تعرض إلى خسارة كبيرة لتقادم الزمن على المشروع ولارتفاع أسعار مواد البناء وأسعار العمال  وفي الغالب فإن ذلك المواطن  كان قد اقترض مبلغ المشروع من أحد البنوك فإنه سيخسر القرض وسوف يدفع فوائد تأخيريه للبنك  خلال فترة توقف المشروع التي هي بين سنة وخمس سنوات  والمحكمة هنا طبعا تقف إلى جانب البلدية ولا تقف إلى جانب الحق لأن البلدية هي سلطة وقوة والمدعي هو مواطن بسيط ليس لديه قوة في حين يرجع المتسبب بتوقف المشروع وخسارة صاحب المشروع لأموال وجهد ووقت وخسارة البلد لتوقف مشروع إسكاني والمتسبب هو شخص صاحب القوة الذي أمر البلدية بإيقاف المشروع  وصاحب النفوذ ذلك في نهاية كل تلك الإجراءات وبعد سنوات سوف يحصل على قطعة الأرض نفسها ومن صاحبها وبالسعر الذي يريده هو وليس بسعر السوق . وهناك المئات من تلك القضايا في أروقه المحاكم القطرية منذ استيلاء الحمدين على نظام الحكم ولغاية كتابة هذا المقال. كقيام الشيخ تميم بإصدار أوامر بهدم مناطق كاملة في الدوحة تضم أبنية وفنادق حتى بعضها مازالت قيد الإنشاء وذلك بحجج مختلفة وفي الواقع قد يكون أحد مالكي تلك العقارات غير مرضي عنه لدى الشيخ تميم أو أحد أفراد عائلته .

ومثال آخر بسيط يرجع بنا إلى حكم قرة قوش الذي كان سائدا في العصور المظلمة فكل صاحب قوة في قطر إذا أراد أن يعمل مشروع خاص به فإنه يسن القوانين التي تتماشى مع مصلحته وليس مع القوانين السائدة في الدولة ومن القوانين الغريبة التي تشبه قوانين قرة قوش المعروفة والتي لم يسمع بها إلى الآن أي شخص عاقل هو قانون إيجار المحلات التجارية في الدوحة ستي سنتر الواقع في منطقة الدفنة التي تحتوى على 300 محل تجاري  والمملوكة لأحد المقربين من نظام الحمدين وهو من آل ثاني ففي إحدى فقرات عقود الإيجار المعمول بها فقرة تنص على أنه إذا تجاوز ربح المحل التجاري المؤجر بنسبة معينة فإن مالك الستي سنتر يبدأ باستقطاع حصته من ذلك الربح والتي تبدأ بنسبة 10% وتتصاعد مع تصاعد أرباح المحل التجاري، فهل أن مالك الستي سنتر هو مؤجر للمحلات التجارية أو أنه سيدخل شريك في جميع المحلات التجارية التي سيقوم بتأجيرها داخل الستي سنتر ؟ وهل أن عقد الإيجار سيمكنه من مشاركة المؤجر بنسبة الأرباح ؟ فأي عاقل يمكن أن يقبل بمثل تلك العقود ونحن في سنة 2017 ؟

إن السلطة القادمة في قطر ستتحمل الكثير من المصاعب من أجل إصلاح النظام القضائي الفاسد والمتهالك في قطر وقد يستغرق ذلك سنوات عديدة يتحمل تبعتها المواطن القطري العادي إلا إذا تعاونت دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية في المساهمة المباشرة في إصلاح النظام القضائي .

 بقلم :الباحث بسام شكري

Bassam343@yahoo.com