لا يمتلك النظام الإيراني أي قدرة على التأقلم السلس مع المتغيرات وتطورات الأحداث ونتائجها التي تتطلب الروية والحكمة، وعادة ما يلجأ إلى السلوك الرجعي الموروث من فكر المرشد الإيراني الأول الخميني لاعتقاده بأنه الطريق الوحيد لتصدير الثورة والسيطرة على المنطقة من باب الغاية تبرر الوسيلة دون أي دراسة أو رؤية مستقبلية لأي خطوة يخطوها، لذا كانت ولا تزال نتائج الأحداث تشكل صدمة مزلزلة لصناع القرار في طهران، بما تحضنه من فشل وخسائر على كافة الأصعدة يحاولون بنسج الخيال وتزوير الوقائع وصناعة الانتصارات الوهمية تغطيتها قدر الأمكان، غير أن الجمود والتعنت الأعمى وضع السياسات العامة لإيران في مجرى خطير جدا على الشعوب الإيرانية نفسها وعلى شعوب ودول المنطقة حتى بات السلوك الإيراني أكبر تهديدات الأمن الإقليمي والعالمي.

والخطير في المرحلة الراهنة، أن الوعاء السياسي الإيراني قد امتلأ بالصدمات لدرجة الإشباع، ولم يعد للثوب الإيراني أي قدرة استيعاب لتغطية أي هزيمة أخرى، بعد أن استنفذ كافة الأساليب السياسية والإعلامية في التعتيم على أخطائه السياسية وهزائمه الميدانية، ما جعله يصاب بجنون التعنت لدرجة الانتحارية، والصدمة الكبرى التي لا تزال قوتها تسيطر على عقول القيادات الإيرانية، هي الصحوة اليمنية وانتفاضة الشعب والقبائل وقوات علي عبد الله صالح ضد التمرد الحوثي الذي أهدر الحرس الثوري أموالا طائلة لجعله أداة لتفريس الشعب اليمني، والنتيجة كانت فشل إيراني أضيف إلى سجلات الفشل الملالي في ملفات المنطقة، وهذه الصدمة، بدلا أن تكون درسا وعبرة للنظام الإيراني، من أجل مراجعة حساباته وتعديل سلوكه وتصحيح سياساته الداخلية والخارجية، تحولت إلى مشاعر حقد وانتقام ظهرت جليا في تصريحات المسؤولين الإيرانيين وعبر وسائل الإعلام التي بان عليها التخبط بانتهاكها لقوانين وأعراف وأخلاقيات العمل الصحفي بدعوتها الصريحة والواضحة لجماعة الحوثي الإرهابية باستهداف دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.

إن دعوة صحيفة كيهان التابعة للمرشد الإيراني علي خامنئي، والتي يترأسها الحاقد حسين شريعتمداري جماعة الحوثي الإرهابية باستهداف الدول الخليجية هي اختراق صريح للقوانين والقرارات الدولية، ومن الناحية القانونية يكون المرشد الإيراني علي خامنئي وشريعتمداري قد انتهكا القوانين الدولية ويحق تقديم شكاوي ضدهم بتهمة دعم الإرهاب والدعوة إلى تنفيذ عمليات إرهابية في دول الخليج العربي وخاصة السعودية والإمارات.

هلع القيادات الإيرانية بات بائن في كل موقف وتصريح، وانعدام التوازن السياسي والاستراتيجي يعبر عنه بوضوح تناقض التصريحات بين المسؤولين، ففي الوقت الذي يدعي فيه روحاني وظريف أن إيران تريد الصداقة وتسعى إلى علاقات جيدة مع دول العالم والجوار، يخرج قادة عسكريون وسياسيون متطرفون يصدرون التهديدات ويدعون إلى ضرب دول الجوار أمثال حسين شريعتمداري المقرب من خامنئي وقيادات الحرس الثوري، وهذا التخبّط الإيراني ناتج عن صعوبة التأقلم مع النتائج الكارثية التي سببتها سياسات نظام إيران، ولا يملك حاليا النظام الإيراني ما يصد عنه الرفض الشعبي الداخلي والعزلة الدولية وحزم القوى في الخلاص منه،  في ظل تنامي قدرات قوى إقليمية وتوسع تحالفاتها وامتلاكها الحزم والعزيمة لوضع حد للسلوك الإيراني.

إن فقدان التوازن والحكمة في سياسة قادة الملالي، في تعاملهم مع نتائج الأحداث التي صنعوها بأنفسهم، تؤكد فقدان النظام الإيراني لخيارات التأقلم بحكم حجمه، وحجم المخاطر التي ولدتها تطورات الحروب التي أشعلها في المنطقة على أمن بلاده الاستراتيجي، فكانت نتائج الفوضى التي أشعلها النظام الإيراني وأدواته في المنطقة أقوى من حجمه وتحدياتها تفوق قدراته السياسية والعسكرية والاقتصادية، ووضع نفسه أمام تحديا كبيرا عنوانه الاستعداد لانفصال الأراضي والشعوب غير الإيرانية لاسيما الأكراد والبلوش والعرب وأذربيجان وغيرها من الشعوب الإيرانية التي تعد العدة من أجل الانفصال عن دكتاتورية نظام الملالي، بعد أن أعطاها تلك الذريعة وكافة الدوافع بنهب حقوقها وقمعها وسلب هويتها وممارسة كافة أشكال الاضطهاد والقمع والعنصرية، إضافة إلى إثباته الفشل في إدارة البلاد داخليا وخارجيا وجر الدولة وشعوبها إلى المخاطر والتهديدات.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

4 ديسمبر 2017