رغم ضبابة الكيفية التي اغتيل بها الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، إلا أن ما هو مؤكد أنه قتل بأياد حوثية اتصفت بإرهابيتها طوال تمردها على الشرعية في اليمن، ولكن الأهم من الأيادي التي اغتيلت صالح هو المدبر لهذه العملية ومن أصدر أوامره للخلاص منه بعد إعلانه فك ارتباطه بجماعة الحوثي وانضمامه إلى قوات الشرعية التي تناضل من أجل تحرير اليمن من الحوثي والهيمنة الإيرانية.

إن أصابع الاتهام تشير إلى الدوحة وطهران، وهناك العديد من المؤشرات والدلائل على أن عملية اغتيال صالح قد خطط لها من غرف مشتركة تديرها قيادات إيرانية وقطرية تتواجد في المياه الإقليمية لقطر، حيث شكل الجيش القطري والحرس الثوري غرفا سرية لإدارة الأزمة الخليجية ورسم الخطط لاستهداف السعودية والإمارات ومد الأذرع الإيرانية والجماعات الإرهابية في المنطقة لإبقاء نيران المحيط مشتعلة لإشغال الدول المقاطعة في مواجهتها.

أهم الدلائل أن وسائل الإعلام الإيرانية كانت من أوائل وسائل الإعلام التي نشرت وأكدت خبر مقتل صالح، وسارعت إلى التغني والاحتفال بهذا الحدث واتهام صالح بالخيانة ومحاولة الانقلاب على الحوثيين، وتحت عناوين عديدة أهمها “نهاية المفتن”، و”نهاية تراجيدية لديكتاتور”، و”نهاية خيانة صدام الصغير”، و”نهاية مأساوية لعلي عبدالله صالح”، و”النهاية المرة لعلي عبد الله صالح” وغيرها من العناوين التي تكشف حجم الحقد الإيراني  والتي علقت على مقتل علي عبدالله صالح.

إن أكثر ما يهم النظام الإيراني والنظام القطري هو بقاء الحرب مشتعلة في اليمن، وانشغال السعودية والإمارات وباقي دول التحالف بها عن السلوك الإيراني القطري، لذا فإن انضمام صالح للتحالف العربي وإعلانه الوقوف في وجه الحوثيين يعني بداية نهاية الحرب اليمنية، ومحاولة عودة صالح للصف العربي من خلال طرد الحوثيين من العاصمة اليمنية صنعاء، قد شكل تهديدا لإيران بخسارة اليمن كأحد مواقع نفوذها، ومقتل صالح يخدم سياسة إيران في المنطقة، وبقائه في هذه المرحلة يعتبر خسارة لقطر وإيران، لذا فإذا أردنا البحث عن الفاعل، فلنبحث عن المستفيد، فكان لا بد من وقف هذا الانتصار أو تعطيله بعملية اغتيال لعلي عبد الله صالح.

عملية اغتيال صالح نفذت بطريقة لا تتوافق مع العادات والتقاليد اليمنية، حيث توسطت أحد القبائل اليمنية واستطاعت إقناع صالح بالخروج من منزله في صنعاء إلى مسقط رأسه بمديرية سنحان جنوب العاصمة، ووافق الحوثيون على ذلك وأعطوه “الأمان” بموجب العرف القبلي اليمني فإن ذلك تعهد بعدم المساس بحياته، غير أنه أثناء سيره اعترضته سبع سيارات مليئة بالمسلحين الحوثيين وفتحوا عليه النار، وتم اعتقاله حيا، ثم تلقوا أوامر عبر الهاتف بتصفيته، فأطلقوا النار على بطنه ورأسه حتى قتل، والجميع يعلم أن الحوثيين يدارون من قبل قيادات تابعة للحرس الثوري وضباط مخابرات قطرية بعد أن ضبطت قوات حزب المؤتمر الشعبي العام أجهزة اتصالات استخباراتية بحوزة عناصر من ميليشيات الحوثي ، للتواصل مع ضباط مخابرات في الدوحة.

كذلك فإن رفض صالح للوساطة القطرية التي هدفت إلى إجباره على البقاء في صف الحوثي ضد التحالف العربي، دليل آخر على تورط قطر في عملية اغتياله بتنسيق مع الحرس الثوري، وفي هذا السياق أكد الكاتب والسياسي اليمني مستشار رئيس الوزراء سام الغباري، أن قيادات قطرية اتفقت مع صالح لخروجه إلى قرية سنحان ورافقته مواكب الوساطة إلى “سيان”، حيث نفذ عبدالملك السياني وزير الدفاع الأسبق خطته مع الحوثيين لاغتيال الرئيس السابق ومن معه غدرا، كذلك تقول التقارير الصادرة من اليمن أن الاستخبارات الإيرانية استطاعت في المرحلة الأخيرة اختراق حراسات صالح، وهذا التعاون والتنسيق بين قطر وإيران يفسر نجاح وسرعة تنفيذ عملية اغتيال صالح.

إن ما قام به الحوثي من غدر ونقض للعهود جزء من السلوك الإيراني القطري بهدف إشعال الفتنة في اليمن وإطالة الحرب أطول مدة ممكنة حتى تنشغل القوى العربية بالأحداث اليمنية عن المشروع الإيراني المدمر والسلوك القطري المخرب، غير أن المرحلة القادمة ستبرهن عدم قدرة الدوحة وطهران على تقدير الأمور وافتقارها لعقلية قادرة على وضع الحسابات في مكانها السليم، فخلاصها من صالح لا يعني مطلقا قضاءها على إرادة الشعب اليمني، بل على العكس من ذلك، فإن الانتفاضة ضد الحوثي سيشد أزرها وتتوسع لتصل كافة المدن اليمنية حتى محافظة صعدة مركز جماعة الحوثي الإيرانية.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

5 ديسمبر 2017