إيران التي تحيي سنويا يوما عالميا للقدس، وتسمي أكبر فيالقها بفيلق القدس، وتزخر شوارعها بأسماء تتعلق بفلسطين، وطالما أكد زعماؤها وعلى رأسهم خامنئي أن القضية الفلسطينية محور التركيز الإيراني، لم تحرك ساكنا بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب القدس عاصمة للكيان الصهيوني، بل الأخطر من ذلك أنها تستغل هذا القرار العدواني لأجل تكثيف هجومها على الأنظمة العربية، ولأجل الترويج للفكر المقاوم وخداع الشعوب العربية والإسلامية بخطاباتها الشعبوية التي تسترق العاطفة الدينية.

إن قرار ترامب المتهور والعدواني تجاه الشعوب العربية والإسلامية وضع كافة المتاجرين بالدين والقضية الفلسطينية في مأزق، وكشف زيف ادعاءاتها ومن يعمل لصالح الأمة العربية والإسلامية ومن يقف وراء خدمة الكيان الصهيوني، ففي وقت اجتاح فيه الغضب العديد من الدول العربية والإسلامية، اكتفت إيران بالتعليق كلاميا ودون حدة على قرار ترامب، وأصدرت التنديدات والاستنكارات، ولم نر حتى الآن أي تحرك فعلي من الجانب الإيراني تجاه هذا القرار، ما يثبت زيف وخديعة دعم إيران للقضية الفلسطينية.

وما هو متوقع أن تكتفي إيران بإطلاق التنطعات والتصريحات الفارغة تجاه هذا القرار، وكعادة النظام الإيراني سيدعو إلى مسيرات غاضبة كما يفعل في كل حدث يتعلق بالقضية الفلسطينية، في حين لن يحرك ساكنا حتى لا يغضب الولايات المتحدة، بل سيحاول النظام الإيراني جذب واستمالة الإدارة الأميركية التي تعتزم تشديد العقوبات على طهران نظرا لتجاربها الصاروخية ودعمها للإرهاب وزعزعة أمن واستقرار المنطقة، ومن غير المستبعد أن يستغل النظام الإيراني هذا الحدث ويحاول فتح قنوات اتصال مع الإدارة الأميركية ليعلن لها دعمه لهذا القرار مقابل التآمر مع طهران والسكوت عن مشروعها التوسعي.

لقد بدأت السلطات الإيرانية باستغلال هذا القرار العدواني وتوظيفه لصالح مشروعها، وتثبيت أوهام محور المقاومة وتأكيدها بأن هذا القرار يستوجب على الشعوب الالتحاق بمحور إيران المقاوم حتى تحرف هذه الشعوب عن الأهداف الحقيقية لنظام الملالي ومشروعه التوسعي الذي يبنيه على وهم عدائه للكيان الصهيوني، في حين تؤكد التقارير أن حجم التعاون والارتباط بين النظام الإيراني والكيان الصهيوني لن تسمح لأي طرف من الأطراف إلحاق الأذى بالآخر، ولن يكون هناك مواجهة عسكرية بين إيران وإسرائيل مهما عظم حجم العداء الكلامي بين الطرفين.

الآن يضع قرار ترامب إيران في اختبار أمام الشعوب العربية والإسلامية، وأصبح على النظام الإيراني أن يثبت دعمه للقضية الفلسطينية بعد إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، فطالما هدد رموز النظام الإيراني بمحو إسرائيل عن خارطة الوجود إذا ارتكبت أي حماقة، ولا يوجد حماقة أكبر من حماقة هذا القرار، وطريق إيران لإسرائيل مفتوح على جبهتين، السورية والإيرانية، وهناك قوات إيرانية كبيرة منتشرة في سوريا ولبنان، فإذا كان النظام الإيراني صادقا في ادعاءاته بدعم الشعب الفلسطيني ومعاداته للكيان الصهيوني فعليه إثبات ذلك على أرض الميدان وترجمة ولو نسبة بسيطة من تصريحاته وتهديداته لإسرائيل على أرض الواقع، ولن يكون هناك فرصة أعظم من هذه الفرصة.

إن الشعوب العربية الإسلامية أصبحت على يقين تام بأن النظام الإيراني لا يقل خطورة عن الكيان الصهيوني، بل أن البعض يرونه أكبر لأسباب عديدة أهمها أن إسرائيل حركة صهيونية استعمارية تعادي الأمة العربية والإنسانية وكل البشرية، وهي كيان معاد، وسيبقى عدوا إلى أن تتحرر فلسطين كلها من البحر إلى النهر، فهذه مسألة محسومة ولا نقاش فيها، أما النظام الإيراني فإنه يتصرف بدوافع ثأرية وتوسعية فارسية قديمة وحاقدة تحت غطاء الدين وستار المقاومة ومقارعة الاستكبار، ويساعد إسرائيل ويقدم الخدمات الجلية لها في السرية في وقت ينشر الإرهاب والتطرف والفتن والانقسام في الدول العربية، حتى حول الصراع من عربي إسرائيلي إلى عربي عربي، وساهم في انشغال العرب ببعضهم عن صراعهم مع الكيان الصهيوني المحتل، ولا ننسى أن إيران لا تزال تحتل الجزر الإماراتية وإقليم الأحواز ومناطق أخرى، وترفض حتى التفاوض أو التحكيم حول استعادة الجزر الإماراتية، وهي نفس الطريقة التي يتعامل بها الكيان الصهيوني في احتلاله لفلسطين والجولان.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

7 ديسمبر 2017