تكشف عملية توزيع الموازنة العامة للعام الإيراني القادم أن النظام في طهران مصر على الاستمرار في سياساته ونهجه وأنشطته المزعزعة لأمن واستقرار المنطقة ودعم الجماعات الإرهابية والتدخل في شؤون دول المنطقة، بل أنها تكشف أنه في صدد رفع مستوى إرهابيته وتدخلاته في شؤون الغير، وذلك من خلال تخصيص مبالغ هائلة لفيلق القدس الإيراني المصنف إرهابيا والحرس الثوري والأجهزة الاستخباراتية، ما يشير إلى عدم رغبة طهران مطلقا في الانخراط في أي تسوية سياسية أو قبول أي حل سلمي سواء في سوريا أو العراق أو لبنان أو اليمن، الأمر الذي يقتضي تفعيل سياسة حازمة ورادعة ضد النظام الإيراني وأذرعه في الداخل الإيراني والمنطقة بشكل عام.

إن مجرد النظر إلى توزيع الميزانية التي يناقشها حاليا الرئيس الإيراني “حسن روحاني” في مجلس الشورى، تتضح تماما النوايا الإيرانية الحقيقية ومخططاتها المستقبلية في المنطقة، حيث خصصت الميزانية العامة للحكومة الإيرانية ميزانية لـ “الحرس الثوري” تفوق 3 أضعاف ميزانية الجيش، واحتل فيلق القدس الإرهابي وهو الذراع الخارجي للحرس الثوري، والبرنامج الصاروخي، والأنشطة الثورية، وأجهزة الاستخبارات، أولوية الميزانية الجديدة، ما يعد تحديا واضحا من قبل النظام الإيراني للمجتمع الدولي الذي يرفض الدور الإيراني المخرب في المنطقة، ويطالب طهران بوقف أنشطتها الإرهابية ودعم الجماعات المتطرفة وإنهاء تدخلاتها السافرة في المنطقة.

وحسب التقارير الإيرانية فإن الحكومة خصصت نحو 12 مليار دولار للقوات المسلحة، من بينها ما يقارب 7 مليار دولار للحرس الثوري وأنشطته، وللجيش نحو 2.5 مليار دولار، أي الحرس الثوري ثلاثة أضعاف الجيش الإيراني، ما يدل على استمرارية تعمد النظام الإيراني تهميش الجيش وعدم الوثوق به كما هو الحال مع الحرس الثوري، وكان نصيب وزارة الدفاع نحو مليار دولار، وتوزع الباقي على الأجهزة الأمنية الداخلية.

وقد جاء رفع ميزانية الحرس الثوري على حساب حياة الشعوب الإيرانية، إذ تقرر تخفيض ميزانية المشاريع العمرانية والتنموية الداخلية، كما أقرت الحكومة تقليل ميزانية المساعدات المالية التي تقدمها الحكومة إلى الإيرانيين الفقراء بنحو 19 تريليون تومان، وهو ما يعادل إلغاء مساعدات أكثر من 30 مليون إيراني يعيشون تحت خط الفقر، من أجل تمكين النظام الإيراني على الاستمرار بأنشطته التوسعية التي لا تمر إلا عبر الإرهاب ونشر الفتن والاقتتال، وقد جاءت هذه الميزانية استباقا للقرارات الأميركية في فرض عقوبات صارمة على النظام الإيراني تخفف من أنشطته الإقليمية وتحد من نفوذ جماعاته التخريبية.

ورغم تأكيد الخبراء الاقتصاديين المستمر على ضرورة وضع إصلاحات اقتصادية للبلاد لمعالجة المشاكل المتفاقمة التي تعصف بها وبالمواطن على حد سواء، بالتزامن مع وجود الإصلاحات السياسية أيضا، وأن الحل يكمن في إصلاح الميزانية السنوية للبلاد، إلا أن نفوذ الحرس الثوري ورموز التيار المتشدد دائما ما كانوا العثرة أمام تحقيق هذا الحلم، لضغطهم على حكومة روحاني وإجباره على وضع ميزانية تخدم بالدرجة الأولى أنشطة إيران وسياساتها في الخارج، والمصالح الشخصية لرموز الحرس الثوري وبيت خامنئي ورجالات الدين المتشددين، دون النظر لأي اعتبارات تنموية داخلية.

هذه السياسة التي كشفتها ميزانية العام المقبل تعتبر تأكيدا إيرانيا على دعم البرنامج الصاروخي الباليستي ونشاطات فيلق القدس الإقليمية، ما يعد تحديا صارخا للقرارات الدولية، لاسيما أنه يأتي بعد تقارير دولية رسمية تثبت تورط إيران في دعم الإرهاب وإمداد الجماعات الإرهابية بأسلحة وصواريخ خطيرة تشكل تهديدا للأمن الإقليمي والعالمي مثل ما تم الكشف عنه من دعم إيران للحوثيين بالصواريخ التي استهدفت مواقع في المملكة العربية السعودية، وداخليا تعتبر نهبا وهدرا لثروات البلاد وأموال وحقوق المواطنين، وتقف عثرة أمام أي إصلاحات اقتصادية قد ترفع أي شيء من مشاكل ومعاناة الشعوب الإيرانية ما يزيد من يأس الشارع الإيراني من سياسات بلاده وبالتالي اتساع الفجوة والانقسامات الداخلية وزيادة الكراهية لدى الشعوب الإيرانية بشكل أكبر تجاه النظام الإيراني وحرسه الثوري.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

11 ديسمبر 2017