في نظرة متعمقة على القرار المتخبط والمتهور الذي اتخذته السلطات التونسية مؤخرا حول وقف رحلات طيران الإمارات، يتم طرح عدة تساؤلات فيما يتعلق بالأسباب الحقيقية من وراء هكذا قرار والذي  لا يلحق الضرر إلا بالداخل التونسي، ومن الذي يقف وراء حالة التصعيد التي يمكن وصفها بالهستيرية وغير المدروسة من الجانب التونسي، ومدى حالة التخبط التي رافقت هذا القرار لا سيما بعد أن كانت تونس هي من أعلنت عن إجراء إماراتي بمنع دخول بعض التونسيات إلى طيران الإمارات لأسباب وتداعيات أمنية، وقد أبدت تونس في البداية تفهمها لهذا الموضوع وانتهى على مايرام، لتدخل أطراف خارجية لها أياد عابثة في تونس وتشعل نيران التصعيد مجددا تحت غطاء الكرامة التونسية وتصب الزيت على النار.

لا يمكن بأي حالة من الأحول استبعاد الدور القطري والإخواني والإيراني عن هذا الموضوع لعدة أسباب، أولها وجود إخوان يتلقون الدعم من النظام القطري ويأتمرون بأمره، ولهم نفوذ في الساحة التونسية الشعبية والرسمية، ثانيا تمركز النشاط الإعلامي القطري خلال الآونة الأخيرة التي عقبت الأزمة الخليجية الراهنة على الساحة التونسية وشراء ذمم بعض المتبرطلين الكتاب والصحفيين واستخدامهم في حرب قطر الإعلامية ضد دول الرباعي العربي، ثالثا: أن الآراء والانتقادات الحادة التي خرجت على ألسنة بعض التونسيين تحت شعارات الكرامة والوطنية ضد الإمارات هي نفسها تماما التي وردت في الصحف ووسائل الإعلام القطرية، رابعا: أن العديد من الخبراء والمتابعين أكدوا وجود أحزاب سياسية تونسية مخترقة من قطر وإيران هي من كانت وراء حالة التصعيد وتوتير  العلاقات بين الإمارات وتونس.

لا شك أن قرار السلطات التونسية جاء متسرعا ومخيبا لآمال الجميع، لأنه لا يصب في المصالح الوطنية لتونس، بل أنه سيكبدها خسائر مادية كبيرة وسيكون سببا في تسريح عدد من التونسيين العاملين في طيران الإمارات، كما أنه جاء نتيجة لتحريض جهات خارجية تهدف من ورائها إلى تشويه صورة الإمارات وتوسيع دائرة الدول التي على خلاف معها، دون النظر أو الاعتبار لأي من المصالح التونسية.

 الإمارات وعلى لسان الدكتور أنور قرقاش وضحت وبكل بساطة أن القرار جاء بناء على معلومة أمنية مما يعني أن لها أسبابها الخاصة والهامة، إذ أن حماية الأمن الوطني والقومي هو أسمى وأرفع مطلب للدول، وعليه يمكن اتخاذ تدابير متشددة إذا كان هناك ما يهدد سلامة وأمن الوطن، وقد أكدت الناطقة باسم الرئاسة التونسية “سعيدة قراش” أن هناك معلومات جدية لدى السلطات الإماراتية حول احتمال ارتكاب اعتداءات إرهابية، وبينت تفهم الجانب التونسي لهذه الخطوة الإماراتية، كما أن ما قام به طيران الإمارات كان مؤقتا ولا يشمل الجميع، ولم يمس أي شيء من الكرامة الوطنية التي تحاول أطراف خارجية اللعب على أوتارها لتحقيق مآربها الفتنوية.

الجانب الأمني وحماية الأمن الوطني و الإنساني لدى كافة الدول من أولى أولوياتها، والإمارات من الدول الرائدة في مكافحة الإرهاب ولديها خبرة وتجارب طويلة في مجال مكافحة الإرهاب، وتتمتع أجهزتها الأمنية بأعلى درجات الكفاءة والمهنية، وقد تلقت معلومات اقتضت أن تقوم بمنع بعض الأشخاص من دخول طيران الإمارات كخطوة احترازية وقائية تسهم في إفشال أي مخطط إرهابي، لا سيما أن تقارير تتحدث عن وجود أكثر من 8000 تونسي يقاتلون مع تنظيم داعش وباقي الجماعات الإرهابية، ويرافقهم أكثر من 200 امرأة تونسية، مما يفتح الأبواب على مصرعيها حول الكثير من الاحتمالات والارتباطات المتعلقة بحماية الأمن الوطني، والتهديد الذي قد يشكله هذا العدد الهائل للتونسيين المنتمين لداعش، لذا فإن من حق دولة الإمارات العربية المتحدة اتخاذ كافة التدابير الأمنية اللازمة في حال تلقيها أي معلومة أمنية قد تهدد أمنها وأمانها….

يذكر أن طيران الإمارات نقلت منذ إطلاق أولى رحلاتها إلى تونس في 2006، حوالى مليون مسافر وأكثر من 60 ألف طن من الشحنات، وتوظف أكثر من 500 تونسي عبر شبكة خطوطها العالمية، بمن فيهم 200 مضيفة ومضيف جوي، ومن الممكن حسب مصادر إماراتية أن لا تعيد الشركة إعادة تشغيل رحلاتها إلى تونس حتى ولو تراجعت السلطات التونسية عن قرارها، كونه كان متهورا ومتسرعا جدا،  وقد اصطدم بكثير من الانتقادات الحادة التي صدرت من شخصيات سياسية في الداخل التونسي أو من التونسيين في الإمارات والذين يؤثر القرار على حياتهم وتواصلهم مع أهاليهم في تونس بشكل مباشر، محذرين بلادهم من التبعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي سيكون أثرها على الداخل التونسي كبيرا، حيث ستزيد الانقسامات بين التكتلات السياسية والمشاحنات بين التيارات السياسية المؤيدة والمعارضة لهذا القرار، ناهيك عن الأضرار الاقتصادية التي ستطال كثيرا من الشركات والأفراد الذين كانت تجارتهم تمر عبر طيران الإمارات.

إن هذا القرار المتهور يشد أذهان المحللين والخبراء  إلى الأزمة التي حدثت بين الإمارات وكندا  على خلفية رفض الأخيرة زيادة عدد الرحلات الأسبوعية لطيران الإمارات إلى تورنتو وغيرها من المدن الكندية، وعلى إثر ذلك تعمدت شركة “اير كندا” إشعال شرارة  التوتر بين حكومتي الإمارات وكندا، مما أسفر عن قيام حكومة الإمارات بعدة مواقف كان أهمها طرد القاعدة العسكرية الكندية من دبي، ورفض منح الطائرة التي كانت تستقل وزير الدفاع الكندي من الهبوط على أراضيها، وأيضا فرض تأشيرات دخول برسوم مكلفة على الكنديين الراغبين في زيارة الإمارات تصل حتى 1000 دولار للحصول على تأشيرة لزيارة الإمارات في حين كانوا يستطيعون الدخول إلى الإمارات دون الحاجة إلى تأشيرات.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

26 ديسمبر 2017