من المثير للسخرية أن تظل تركيا تبني مستقبلها وعلاقاتها مع أوروبا والعالم على المغالطات وعلى إنكار وقائع تاريخها الاستعماري العسكري المليء بالجرائم التي لا تسقط بالتقادم مهما تجاوزها الزمن، فتاريخ تركيا شرقاً وجنوباً مع جيرانها العرب وغيرهم من القوميات الأخرى مثل الأرمن مثقل بفظائع لا يمكن تغليفها بدعاوى إسلاموية لتبرير ما تم ارتكابه من مجازر وأعمال نهب واحتلال ومصادرات  لحقوق وآثار ومخطوطات، ويكفي أن تشاهد بعينيك ما يدل على عمليات سطو عثمانية تعرضت لها آثار مصر وغيرها بدليل وجود المسلة الفرعونية المعروفة بمسلة تحتمس الثالث التي تم نهبها إلى اسطنبول! فكيف وصلت آثار مصر إلى تركيا إن لم يكن بالنهب والسرقة الرسمية في عهد الاحتلال العثماني؟ لذلك يفقد أردوغان أعصابه عندما تتم الإشارة إلى تلك الوقائع للتذكير بتاريخ العثمانيين القريب، وكيف تعاملوا باسم الخلافة العثمانية مع العالم الإسلامي، مما يفسر لنا السلوك التركي الراهن في سوريا، وبالتحديد في مدينة حلب التي جرف الأتراك معاملها ومصانعها وحرفها خلال أحداث الفوضى المشتعلة بين فصائل المعارضة والنظام وبينهما فصائل إرهابية مدعومة مباشرة من النظام التركي، إلا أن أردوغان يريد تزييف الحقائق وتصوير طموحاته السلطانية وكأنها امتداد لخلافة راشدة!

ما أعاد فتح هذا الملف المسكوت عنه هو تغريدة قصيرة أعاد نشرها على حسابه في موقع “تويتر” مهندس الدبلوماسية الإماراتية سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي، ورد في مضمونها تذكير موجز بإحدى الفظائع التي ارتكبها أسلاف رجب طيب أردوغان أثناء فترة الاحتلال العثماني المتخلف لأجزاء من العالم العربي، إذ نقل سموه نص تغريدة طبيب عربي مثقف تقول: هل تعلمون أنه في عام 1916 قام التركي فخري باشا بجريمة بحق أهل المدينة النبوية فسرق أموالهم وقام بخطفهم واركابهم في قطارات إلى الشام واسطنبول برحلة سُميت (سفر برلك)، كما سرق الأتراك أغلب مخطوطات المكتبة المحمودية بالمدينة وأرسلوها إلى تركيا، هؤلاء أجداد أردوغان وتاريخهم مع المسلمين العرب”.

ويبدو أن أردوغان الذي يحلم باستعادة سطوة أجداده العثمانيين وأساليبهم الانكشارية لم يعجبه تذكير الأجيال المعاصرة بتاريخ الاستعمار التركي الهمجي، الذي يعتبر أسوأ احتلال على وجه الأرض، نظراً لتخلفه وأطماعه وبؤس قادته المتخبطين في أوهام التاريخ والمنقسمين بين أكثر من هوية، فلم ينجحوا في قيادة العالم الإسلامي في زمن سلاطين بني عثمان، ولم يستغلوا نفوذهم الاستعماري لتمتين علاقتهم بالشعوب، بقدر ما أدت تصرفاتهم إلى اشتعال الروح الوطنية واليأس من دعاوى الخلافة، ثم جاء الآن من يقضي على توجهات تركيا العلمانية ليعيدها إلى خانة السلطنة وأوهام الخلافة المزعومة التي تلتقي نظرياً وعملياً مع أفكار وتطبيقات المنظمات الإرهابية.

وعلى إثر ما نشره سمو الشيخ عبدالله بن زايد، لم يستطع أردوغان أن يكتم حقده، وراح يغرد بانفعال مستحضراً لكنة شعوبية بائدة لم يتخلص منها نتيجة لركود وعيه وتشبث مخيلته بامتيازات المستعمر القديم الذي لم يستوعب أنه أصبح مجرد حكاية تروى في كتب التاريخ، كما جعل نفسه محط سخرية لعدم قدرته على التكيف مع ادعاءات الحداثة والعلمانية في تركيا التي يقودها هو وحزبه إلى الخلف مئات السنين، فجاء رده عاجزاً عندما تساءل بمرارة أين كان جد الشيخ عبدالله بن زايد أثناء احتلال العثماني فخر الدين باشا للمدينة المنورة؟

وبما أن أردوغان جاهل بتاريخ منطقتنا نخبره أن جد الشيخ عبدالله بن زايد هو زايد الكبير الذي كان في ذلك الوقت يسعى لتوحيد قبائل سواحل الخليج العربي لمواجهة الاحتلال العثماني والبرتغالي، بينما كان أجداد أردوغان آنذاك يقودون بلادهم إلى مرحلة الشيخوخة والمرض، فانعكست شيخوخة الإمبراطورية العثمانية على الأجزاء التي احتلتها إلى أن تمت عملية تقاسم ما عرف بتركة الرجل المريض، ويجدر بأردوغان عدم التباهي بتاريخ السلاطين العثمانيين الذين فشلوا في التكيف مع الحضارة العربية وظلوا مستعمرين غرباء يجهلون التعامل مع المجتمعات التي غزوها ففشلوا في التواصل الحضاري معها، لذلك لجأوا إلى نهب خيراتها وآثارها ومخطوطاتها كما يفعل أي مستعمر عابر يعرف أنه سيرحل في نهاية المطاف، فلماذا يغضب أردوغان عندما يتم تذكيره بتاريخ أجداده، وإلى متى سيظل يستثمر قضية فلسطين زوراً بينما علاقته مع دولة الاحتلال الإسرائيلي على ما يرام؟

بقلم: د. سالم حميد

٢٧ ديسمبر ٢٠١٧