الوصول إلى حقيقة الداخل الإيراني أمر صعب في ظل الإغلاق الذي تفرضه السلطات الإيرانية على البلاد ومنع الارتباطات الداخلية بالخارجية لا سيما الإعلامية منها، وتحكم النظام والحرس الثوري بكافة وسائل الإعلام الإيرانية وفرض رقابة مشددة على وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي عن طريق حظر العديد منها وتفعيل أخرى مسيطر عليها أمنيا من قبل السلطات الإيرانية، ما يستدعي حالة من التدقيق والمتابعة والتحليل ومعرفة المصادر والطرق التي يمكن من خلالها تفسير ما يجري في إيران والوصول إلى الحقيقة بعيدا عن التظليل والتعتيم الإعلامي الذي يتبعه النظام وأجهزته الأمنية خاصة في كل مرة تجتاح البلاد ظروفا أو أحداثا كالتي تجري حاليا في ظل تصاعد الاحتجاجات والمظاهرات ضد النظام الإيراني وحكوماته واتساعها لتشمل عددا من المدن الإيرانية.

لذا فإن الاعتماد على وسائل الإعلام الإيرانية في الوصول إلى المعلومات وتحليلها لمعرفة حقيقة ما يجري في الداخل أمر ناقص ومظلل، لأن غالبيتها تعمل تحت إشراف النظام الإيراني وأجهزته الأمنية وما تنشره من أخبار وتقارير تهدف منها التظليل والتشويش على الحقيقة، فمثلا نشرت وكالة أنباء تسنيم التابعة للحرس الثوري تقريرا عن جغرافية الأماكن التي دعا فيه نشطاء التواصل الاجتماعي إلى مظاهرات عامة في إيران، وقال التقرير إنه فقط 26% من هؤلاء هم إيرانيون والباقي هم عرب وأجانب خارج إيران، وهو ما يمكن تفنيده بأن الدعوات التي نشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي هي بالفارسية، والجميع يعلم أن الشعوب الإيرانية بعد تفريسها من قبل النظام لا تعلم سوى الفارسية، والقليل فقط من تخصص باللغة الفارسية خارج إيران لضعف هذه اللغة وعدم اعتمادها كلغة عالمية.

ما يعني أن أفضل وسيلة أصبحت للوصول إلى الحقيقة في إيران هو مراقبة النشطاء الإيرانيين على منصات التواصل الاجتماعي وخاصة التليغرام الأكثر انتشارا في إيران، وتحليل الصور والفيديوهات التي ينشرها النشطاء وتصل إلى خارج إيران، وهي القنوات الأكثر مصداقية والتي من خلالها يتم تفسير وتحليل ما يجري في إيران.

ما يجري الآن في إيران هو حالة احتجاج شعبية عامة على فشل النظام وحكوماته في إدارة البلاد، وانتشار المشاكل الاقتصادية والاجتماعية بصورة لا يمكن التعايش معها، الأمر الذي جعل مسببات الثورة تتوافر بكل مقوماتها في إيران البلد الغني بالموارد الطبيعية والثروات النفطية والغازية والزراعية وغيرها، ولكن الشعوب فيه تعاني من فقر شديد وانتشار للبطالة وترديا للأوضاع الاجتماعية والمعيشية بشكل عام.

بعض المحللين ذهبوا إلى أن تلك المظاهرات مفتعلة من النظام والحرس الثوري ضد روحاني، بغية إضعافه وإضعاف التيار الإصلاحي بشكل عام وتقليص قاعدته الشعبية، غير أن الشعارات التي أطلقها المتظاهرون ضد الحرس الثوري وتدخلاته في المنطقة حتى وصلت إلى خامنئي الذين وصفوه بالديكتاتور، أضعفت هذا التحليل وأثبتت أن ما يجري في إيران حاليا هي ثورة شعبية نتجت عن احتقان داخلي دفع بالمواطنين إلى اغتنام الفرصة للتعبير عن رأيهم وغضبهم الشديد من سياسات النظام، بل أن المتتبع لما يجري في الداخل الإيراني يعلم يقينا أنه رغم تواضع هذه الاحتجاجات إلى أنها تعتبر باكورة لثورة شعبية عارمة قادمة لا محالة، لا سيما أن الأسباب من وراء هذه الاحتجاجات هي تردي الأوضاع الداخلية والتدخلات الخارجية  والتي ستتضخم في عام 2018، بعد أن قدمت ميزانية  التي رفعت المعونات عن الفقراء وزادت من ميزانية المؤسسات الدينية والثورية والعسكرية خاصة أنشطة الحرس الثوري وفيلق القدس وتدخلاته في المنطقة والتي أطلق المتظاهرون الشعارات ضدها في أكثر من مدينة إيرانية حتى الآن.

إن انطلاق مظاهرات في عدد من المدن الإيرانية ووصولها إلى العاصمة طهران، بالتزامن مع ما يسميه النظام الإيراني “ملحمة 9 دي” وهي المظاهرات التي أطلقها النظام والحرس الثوري عام 2009 بعد اندلاع أحداث ما سمي بالثورة الخضراء احتجاجا على تزوير الانتخابات لصالح المتشدد نجاد، وعلو سقف جرأة الشعارات لتصل الولي الفقيه “الموت للديكتاتور” وكافة المؤسسات الحكومية، واستمرار التظاهر رغم سقوط قتلى برصاص الحرس الثوري الحي، وتهديد الأجهزة الأمنية بقمع التظاهرات والقضاء عليها، يدل على أن إيران مقبلة على مرحلة من التغيير في المستقبل القريب.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

31 ديسمبر 2017