بعد مضي ستة أيام على اندلاع مظاهرات الشعوب الإيرانية ضد النظام وحكوماته أصبحت الرؤية أكثر وضوحا لما تسير إليه الأحداث في إيران، فرغم أن البعض راهن أن مؤسسات الحرس الثوري ستتمكن من قمع المظاهرات، ورغم التهديدات والقمع وسقوط عدد من القتلى، وحظر وسائل التواصل الاجتماعي، وقطع الإنترنت … إلا أن دائرة الاحتجاجات تتسع يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة، وبعد انتشار أخبار سقوط ما يزيد عن 15 قتيلا من المدنيين المتظاهرين برصاص الحرس الثوري، اتسعت المظاهرات بشكل أكبر وعلى نحو متسارع، وتستعد حاليا أكثر من 70 مدينة للخروج  بمظاهرات عارمة، حسب ما جاء في ملصق انتشر بشكل واسع عبر مواقع التواصل، ويحدد زمان ومكان انطلاق المظاهرات في نقاط التجمع المذكورة، كما أنه من المتوقع أن تنضم أذربيجان في المظاهرات، والتي سيكون لانضمامها تأثير كبير على نجاح الثورة الإيرانية ضد نظام الملالي.

حتى الآن قامت السلطات الإيرانية بعدد من الإجراءات للتمكن من احتواء الاحتجاجات جميعها باءت بالفشل، حيث أقدمت على اعتقال المئات، وحذرت من وجود مؤامرات خارجية ضد إيران، وفرضت أطواقا أمنية ونشرت عناصر وقوات تابعة للباسيج، وضربت بيد من حديد المتظاهرين، وحظرت أكثر وسائل التواصل الاجتماعي انتشارا في إيران وهي التيلغرام، وتحدثت الأخبار عن قطع للإنترنت في كافة أرجاء إيران، غير أن الاحتجاجات لا تزال تتسع، والجميع يترقب ما ستؤول إليه الأحداث.

ومن القراءة للتاريخ الثوري الإيراني، ومقارنتة بالوضع المتردي للشعوب وما أنتجته سياسات البلاد من عزلة ومشاكل على كافة الأصعدة، تكون مسببات اندلاع ثورة في إيران تنهي عمر النظام في الوقت الحاضر أكبر من مسببات الثورة التي أسقطت حكم الشاه البهلوي قبل نحو 37 عاما، إضافة إلى ذلك، فقد قدمنا في مركز المزماة بعض الدراسات حول الشأن الإيراني ومقارنة عمر النظام الإيراني الحالي بعمر الأنظمة الديكتاتورية والتي لم تتجاوز جميعها الأربعين عاما، وأكدت هذه الدراسات أن عمر النظام الإيراني الحالي قد انتهى لانتهاء صلاحيته وعدم قبوله لدى الشعوب الإيرانية في الداخل والمجتمع الدولي من الخارج.

إن جميع المؤشرات سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية تثبت أن غالبية الشعوب الإيرانية ترغب بالخلاص من النظام الملالي وتتطلع إلى عين الترقب للانفتاح على المجتمعات والتماشي مع عصر التكنولوجيا وما يتيحه من تقدم وتطور، وخاصة أن فكر وتطلعات جيل الشباب المعاصر تختلف تماما مع أفكار الخميني التي تحولت إلى سياسة عامة للبلاد، وقد عبر عن ذلك في الحركة الخضراء التي اندلعت عام 2009 وكان هدفها إسقاط النظام، وها هي اليوم تجدد رفضها لنظام الولي الفقيه وسياساته بإطلاق شعار الموت لروحاني والموت للديكتاتور وتعني به خامنئي، إضافة إلى حرق صور خامنئي وقاسم سليماني مهندس الأنشطة الإيرانية الإرهابية في الخارج، ولكن هذه المرة مسببات الثورة أقوى، وصبر الشعوب قد نفذ وأصر على الخلاص من النظام.

الأحداث تسير نحو التصعيد، والشعب قد قرر وقال كلمته الأخيرة، وهذه المظاهرات ستكون بداية لانطلاق ثورة عارمة قد يدعمها الجيش الإيراني للخلاص من نظام الولي الفقيه، ولكن الأكثر وضوحا الآن وقع هذه الأحداث على الداخل الإيراني والملفات والأزمات الإقليمية، ففي الداخل فإن هذه المظاهرات ستزيد من حدة الإنقسام بين التيارات السياسية، وسيحاول كل تيار استغلالها لتصفية الحسابات مع التيارات الأخرى، ما يعني احتدام الصراعات السياسية والحزبية في إيران.

الأهم من ذلك هو تأثير هذه المظاهرات على الأزمات الإقليمية وخاصة في المناطق التي تشهد تواجدا لأذرع إيران وعلى رأسها الحوثي، فإن المظاهرات الإيرانية ستعجل من سقوط الحوثي لانشغال الحرس الثوري الداعم الأكبر للحوثي بالأحداث الداخلية، ما يعني ضعف وانهيار وشيك لجماعة الحوثي وتطهير اليمن من براثنها والبراثن الإيرانية في أقرب وقت، كما أن سقوط النظام الإيراني يعني بالضرورة سقوط النظام السوري.

وعلى صعيد الأزمة القطرية، فإن نظام الحمدين سيخسر داعما رئيسيا له في الإصرار على مواقفه وأنشطته الإرهابية، وستبدأ المعونات الإيرانية لقطر بالانحصار تدريجيا، الأمر الذي سيعجل أيضا من خضوع الحمدين أو تعزيز قوة المعارضة وتغييرها لنظام الحمدين.

وفي حال استطاع الثوار الإيرانيون تحقيق مزيد من الضغط على النظام الإيراني، فإن المنطقة ستشهد انحصارا على مستوى النشاط الإرهابي، الأمر الذي سيسهل على الدول الداعمة لمحاربة الإرهاب عملها، ما يعني ضرورة تضافر الجهود الدولية لمساندة الشعوب الإيرانية التي تسعى إلى نيل حقوقها بالخلاص من هذا النظام الجامد في فكره وسياساته الدموية، كجزء من عملية محاربة الإرهاب واجتثاث جذروه الملالية.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

2 يناير 2018