رصدت التغطيات المواكبة لأحداث الانتفاضة الشعبية ضد النظام الإيراني العديد من الشعارات التي رفعها المتظاهرون في شوارع المدن الإيرانية التي تتصاعد الاحتجاجات فيها منذ أيام، إلا أن أبرز شعار يلخص جوهر الغضب القائم ضد حكام إيران يتعلق برفض الإيرانيين للعبث المالي، والصراخ ضد صرف ثروة الإيرانيين وثمن لقمة عيشهم لتمويل الصراعات والحروب الطائفية في المنطقة العربية، بذريعة نشر الثورة حسب وصية الخميني، فكان الشعار المسيطر على تعابير وهتافات الجماهير الإيرانية معبراً بدقة من خلال ألفاظه البسيطة التي أجمعت المصادر على أن صيغته كانت تتضمن لاءات رفض ضد تبذير الأموال الإيرانية هنا وهناك: “لا غزة، لا لبنان، ولا سوريا روحي لإيران”.

بمعنى أن الإيرانيين يريدون الالتفات لكينونتهم الوطنية التي سلبها منهم الملالي وراحوا يؤجرون إيران وإمكانياتها وثرواتها لتمويل حروب وتدخلات القصد منها إثبات طول ذراع إيران في المنطقة. كما لم تتوقف الطغمة التي تحكم إيران باسم الدين عن معاداة العالم والدخول في أزمات دولية كان المواطن الإيراني في غنى عنها، بل كان في أمس الحاجة لإقامة علاقات دولية متميزة للحصول على مكاسب اقتصادية تحقق له العيش الكريم.

وهكذا تحولت ذراع إيران الطويلة إلى لعنة عليها. فخرج المتظاهرون ضد نظام الولي الفقيه ولسان حالهم يقول: توقفوا عن إنفاق أموال الإيرانيين لإرضاء غروركم وأهدافكم الطائفية التي تضر الإيرانيين قبل غيرهم!

ومن خلال قياس مستوى غضب الإيرانيين تجاه حكومتهم غير الحكيمة، يتضح أن مقدار ما كانت تصرفه طهران على الحركات والأحزاب التخريبية في المنطقة يكفي لاشتعال ثورة ضد الديكور الزائف للنظام، وها هي ثورة الإيرانيين تزحف بالفعل رغم محاولة وسائل إعلام طهران إظهار أنصاف الحقائق وإخفاء جثث الضحايا الذين يسقطون في ليالي إيران في هذا الشتاء الذي يشهد رغم برودته القارسة ثورة ساخنة ضد ظلم ولصوصية رجال الدين الذين لا يهتمون سوى بتأجيج الصراعات والفتن في العالم العربي والإسلامي.

من دلالات الثورة المشتعلة في إيران أيضاً أن المواطن الإيراني ممثلاً بالأجيال الشابة لم يعد يقبل الخضوع وتصديق الأكاذيب والخرافات التي يروجها كهنة النظام المنغلق على نفسه في طهران.

وعندما نرصد البؤر التي تمتص أموال الإيرانيين على يد حكومتهم المنشغلة بتمويل الصراعات والحروب والأحزاب المسلحة، نكتشف أن الإيرانيين قد صبروا كثيراً وأن الوقت قد حان للثورة ضد الملالي الغارقين في أوهام مقولات الخميني وثورته التي سرقت أحلام الشعب الإيراني في التحرر من التسلط والقهر والفقر والدجل.

وإذا ما تركنا الأرقام تتحدث لتحكي عن جنون حكام طهران ومدى تبذيرهم الشديد لثروة الإيرانيين فإن المبالغ التي تنثرها إيران على حلفائها تخفي مساعدات من نوع آخر يصعب تقييم كلفتها المادية، وخاصة تلك التي تقدمها على شكل أسلحة وآليات ومساعدات لوجستية وإعلامية، إضافة إلى وجود صعوبة أخلاقية وإنسانية في تقدير قيمة الأرواح التي تتاجر بها إيران من خلال دفعها بمقاتلين في جبهات عديدة، يضافون إلى آلاف الشباب الذين كان الخميني يدفع بهم في الثمانينيات من القرن الماضي إلى جبهات القتال مع العراق، فكانوا يقتلون بالألغام قبل أن يطلقوا من بنادقهم طلقة واحدة! وهذا ما تقوم به إيران حتى الآن في سوريا وأماكن أخرى.

لذلك لا عجب أن ينتفض الإيرانيون ويطالبون بوقف هذا العبث وبوضع حد لمن يسترخص أرواحهم ويصرف أموالهم في سبيل تحقيق أطماع مجنونة وغير مشروعة أخلاقياً وسياسياً ودينياً.

وطبقاً لتقارير صحفية متداولة قدمت إيران لحلفائها من الأحزاب والميليشيات والعصابات التي تنتشر في بعض البلدان العربية مثل العراق ولبنان وسوريا واليمن مليارات الدولارات رغم انخفاض أسعار النفط عالميا ورغم الحصار الذي تعانيه إيران وخاصة قبل توقيع الاتفاق النووي مع الغرب.

وباستعراض الأرقام هناك على سبيل المثال مبلغ 3.6 مليار دولار قدمته البنوك الإيرانية للحكومة السورية تحت بند ائتمان في عام 2013 ومليار دولار في عام 2015 قيمة مشتريات مباشرة من إيران، ومن دون احتساب قيمة الأسلحة التي تشحن بانتظام إلى دمشق، ومن دون مرتبات الجنود الإيرانيين العاملين في سوريا، مما يعني أن الشعب الإيراني خسر مليارات في سوريا وحدها.

أما في العراق فكانت الفاتورة تقتضي دعم عشرات الجماعات الشيعية التي انضوت تحت اسم الحشد الشعبي، ولا يعرف حتى الآن كم خسرت إيران في العراق الذي تستثمر فيه لأسباب مذهبية وطائفية مباشرة بقصد الإبقاء على نظام حكم في بغداد تابعا لطهران.

ويبدو أن المبالغ الإيرانية الأكثر صرفت على حزب الله اللبناني لكي يواصل مهمته في اختطاف لبنان والإبقاء عليها خاضعة تحت سلطة حزب أقوى من الدولة وجيشها! والمبلغ الذي يرجح أن طهران تنفقه على حزب الله يتراوح  بين 60 مليون دولار إلى مليار دولار سنوياً. لهذا السبب ليس مستغرباً أن يتحول الشارع الإيراني إلى موجة هادرة من الغضب والثورة ضد من يسرقون لقمة عيشه ويريدون أن يواصلوا حكمه ومواصلة إذلاله وسرقة مقدراته.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

٢ يناير ٢٠١٨