إذا كان الإعلام يمثل جبهة استراتيجية في الحروب الحديثة، فإن تصاعد وتيرة أخبار المظاهرات والأحداث الدموية في المدن الإيرانية تقلق حلفاء إيران في المنطقة وتسبب انهيار معنوياتهم، على الأقل بعد أن انشغل الإعلام الإيراني خلال الأيام الماضية بمحاولة ترقيع جبهة الداخل المفتوحة على احتمالات مجهولة، وبخاصة بعد تزايد رقعة المظاهرات الشعبية ضد نظام الولي الفقيه في مختلف المدن والمناطق وفي أوساط كافة قطاعات المجتمع الإيراني وقومياته التي وحدها الفقر والوصول مع نظام الملالي إلى نقطة مسدودة.

قبل ذلك كان الإعلام الإيراني يخصص مساحة كبيرة في وسائله المختلفة لتغطية أخبار الحوثيين وتكثيف دعمهم معنوياً، ثم جاءت الأحداث الأخيرة وأصبح النظام الإيراني في موقع من يطلب الدعم الإعلامي للتغطية على حجم المظاهرات الشعبية الغاضبة ضده.

في ما يخص آثار ونتائج الأحداث الجارية في إيران على الحوثيين، حاولت وسائل إعلام الانقلابيين الحوثيين تحاشي الإشارة إلى الثورة الشعبية المندلعة في إيران، وانتهجت أسلوب قناة “الجزيرة” التي ركزت على إظهار التجمعات المؤيدة للنظام التي تتكون من طلاب الحوزات وجنود الأمن الذين ارتدوا ملابس مدنية للظهور أمام عدسات التلفزيون الإيراني على هيئة مؤيدين للنظام ضد المتظاهرين الذين يشكلون أغلبية الإيرانيين.

كما نقلت أدوات الإعلام الحوثي التصريحات والتعليقات الإيرانية التي تحاول نفي وإنكار ما يتعرض له المتظاهرون من أعمال قنص وقتل متعمد على يد القوات الإيرانية، وبخاصة في المظاهرات الليلية التي تشهدها العديد من مدن إيران.

ومن خلال متابعة ملف الأحداث في اليمن بالتزامن مع التداعيات الجارية في إيران، لوحظ أن جبهات القتال المشتعلة بين القوات الشرعية اليمنية والانقلابيين الحوثيين الموالين لإيران شهدت تراجعات وانكسارات حوثية بالجملة في مناطق ومحافظات عديدة، كما ارتفعت حصيلة قتلى الحوثيين وتقلص الإمداد البشري الذي كان يتدفق نحو جبهاتهم التي كانوا يقومون فيها خلال الشهور الماضية بالتضحية بالمئات من الشباب وصغار السن، بينما تغيرت المعادلة مؤخراً وفشل الحوثيون في إمداد الجبهات بالمزيد من المقاتلين. وكان من الواضح من سياق الأخبار والتغطيات أن الحوثيين أصيبوا بالهلع والخوف وازدادت الهزائم في صفوفهم وبخاصة في جبهة الساحل التي ارتفعت فيها أعداد قتلاهم وبلغوا المئات، وبعضهم قتلوا في ضربات جوية ناجحة لقوات التحالف العربي أثناء محاولتهم التسلل لاستعادة مناطق محررة على الشريط الساحلي الغربي لليمن، وكذلك تحققت انتصارات في محافظة البيضاء بعد أن اكتسبت قوات الشرعية فيها معنويات إضافية إثر تحرير منطقة بيحان الشاسعة وطرد ميليشيات الحوثيين منها بالكامل، أما أخطر جبهة انصدم فيها أنصار إيران بهزيمتهم فهي جبهة محافظة الجوف المحاذية لمعقلهم في صعدة، ومع توارد الأنباء عن تزايد حدة المظاهرات في إيران ووصولها إلى مرحلة التهديد الوجودي لنظام الملالي يزداد فزع الحوثيين وتكثر هزائمهم، وفي تحليلات منشورة عن دلالات الانتصارات الشرعية ضد الإنقلابيين في محافظة الجوف اليمنية، تأتي أهمية هذه المحافظة من كون الأجزاء المحررة منها حتى الآن تمثل  82% بالمئة من المساحة الإجمالية للجوف الملاصقة لمعقل الحوثيين الرئيسي ممثلاً بمحافظة صعدة، مما يجعل من تحرير كامل محافظة الجوف بوابة لتحرير صعدة وعمران وحجة وصولاً إلى العاصمة صنعاء، وبالأحرى فإن سقوط محافظة صعدة يعني السقوط التلقائي للعاصمة وتحريرها من قبضة الحوثيين بشكل نهائي، وفي هذه الجبهة الهامة سقط عشرات القتلى والجرحى من الحوثيين خلال المعارك، إضافة إلى أسر 45 آخرين.

على المستوى السياسي حاول الحوثيون بالتزامن مع المظاهرات في إيران ترقيع الجسد الحكومي المتهالك لسلطة الإنقلاب بعد أن انهارت شراكتهم مع حزب الرئيس السابق بمقتله بطريقة بشعة على أيديهم، ومن ضمن ترقيعات الحوثيين قيامهم أمس بإصدار قرارات بتعيينات في مناصب حساسة أبرزها في الأجهزة الأمنية والاستخبارية التي وضعوا على رأسها شخصيات حصلت على تزكية مباشرة من طهران، رغم انعدام خبرتها أو صلتها الوظيفية بالأجهزة الاستخبارية التي تم الاستيلاء عليها ضمن مؤسسات ومعسكرات حكومية يمنية قام الحوثيون بتأهيلها للعمل لصالح طائفتهم وأجندتهم.

الجديد في ملف الحوثيين أيضاً بالتزامن مع المظاهرات في إيران ما تم تسريبه من معلومات مصدرها معهد أبحاث إيراني مقره في الولايات المتحدة، وملخص التسريب يقلب الطاولة على الحوثيين رأساً على عقب، ويثبت كذب ادعائهم بعدم وجود خبراء إيرانيين يعملون في اليمن بشكل مباشر لدعم الحوثيين وقيادة عملياتهم التخريبية على الحدود السعودية، حيث كشف ما يسمى بمعهد أبحاث الجريمة المتخصص في تتبع جرائم مسؤولي النظام الإيراني أن ثلاثة من كبار الحرس الثوري الإيراني أرسلوا إلى اليمن وهم “العقيد رضا باسيني والقائد علي الرجبي والرائد محمد نيازي ويعمل الثلاثة كخبراء عسكريين ويتواجدون الآن في اليمن”.

ولا تزال أحداث العنف والمظاهرات في الشارع الإيراني في بدايتها، ومن المرجح أن تؤدي في حال تصاعدها إلى تفكك النظام الديني الحاكم في إيران، وبالتالي سقوط ممثليه وأحزابه وعملائه في المنطقة العربية، ومن ضمنهم جماعة الحوثيين الذين يختطفون اليمن ويسببون لها الكوارث والأمراض وعدم الاستقرار لهدف وحيد وهو خدمة الأجندة الإيرانية وإثبات مقدرتها على اختراق الجزيرة العربية.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

٢ يناير ٢٠١٨