بإصرارها على الالتحاق بمحور طهران ومغادرة البيت الخليجي ورفض قواعد ومتطلبات الأمن القومي المشترك لدول الإقليم؛ وضعت قطر نفسها في مأزق متجدد بلا نهاية. فرغم أن تبعات أزمتها التي اختلقتها بعنادها لا تزال مستمرة ولم تتجاوزها على المستويات الاقتصادية والسياسية، إلا أن الدوحة لم تكن تتخيل أن عواقب مغامرتها سوف تتحول إلى لعنة تطاردها دون أن تجد لها حلاً خارج المنظومة الخليجية. فقد جاءت احتجاجات الشارع الإيراني وانتقال إيران إلى مربع الخطر والاحتمالات الكارثية المجهولة لتضع قطر أيضاً في المربع ذاته وتزيد من احتمالات انهيار نظام الحمدين وايديولوجيا المكابرة التي تتبناها الدوحة من أجل عيون جماعة الإخوان وملحقاتها الإرهابية.

كارثة الدوحة الجديدة القديمة أنها وضعت بيضها في سلة النظام الإيراني الآيل للسقوط كما تشير الوقائع الملموسة والمشهودة لأي متابع. وحتى إذا لم يسقط نظام طهران فإنه سيبقى إلى أجل غير معلوم يترنح تحت وقع مطرقة المظاهرات الشعبية التي وجهت صفعة للمتطرفين الذين يحكمون باسم الدين وهم كانوا في الحقيقة يشحنون صدور الإيرانيين البسطاء بالثورة التي سوف تستمر بعد أن عرف المواطن الإيراني طريق الخلاص من لصوص ثروته وبلده.

وضعت قطر الكثير من بيضها في سلة إيران غير المستقرة والتي تجاوبت مع الدوحة أثناء بداية الأزمة ليس حباً في القطريين ولا حرصاً عليهم وإنما لمكايدة دول الإقليم.

صحيح أن قطر راهنت أيضاً على اسطنبول، لكن عينها كانت على الحليف الإيراني القريب جغرافياً، كما أن أسطولها الجوي كان ولا يزال يراهن على مطارات بلاد فارس. والآن على الدوحة في غمرة تظاهرات إيران أن تستيقظ قليلاً من حلمها بالانسلاخ عن محيطها الخليجي.

يجب على قطر أن تعرف كذلك أن دعم النظام الإيراني لمواجهة الغضب الشعبي لن يكون حلاً مضموناً، لأن الغضب الشعبي في المدن الإيرانية خرج عن السيطرة كما هو واضح للمتابعين. لكن الدوحة لا تستوعب الدروس، فهناك معلومات تشير إلى أنها تجتهد بطاعة عمياء لخدمة النظام الإيراني في هذا التوقيت وتستخدم أموالها وإعلامها لإنقاذ حكم المرشد من السقوط لأسباب اقتصادية!

تقارير المعارضة القطرية قالت حسب مصادر صحفية أن قطر تعهدت بدفع ملياري دولار للنظام الإيراني لكي يستخدمها في تهدئة الشارع الغاضب والبدء بإصلاحات ملموسة يكون هدفها إطفاء الحريق قبل أن يلتهم النظام.

الفاتورة التي وجدت قطر نفسها مجبرة على دفعها لإيران تثير السخرية عندما نتذكر أن مطالب دول الإقليم من الدوحة كانت ستجعلها تحتفظ بأموالها وتحميها من القلق مما يحدث في شوارع المدن الإيرانية. لأن المطلب الأساسي من قطر كان فقط التوقف عن دعم الإرهاب والكف عن منح الإرهابيين منابر إعلامية.

حلفاء طهران كلهم أصابهم الصداع وأصبح مصير المشروع الطائفي على كف عفريت قبل أن تتضح معالم الخريطة وإلى أين ستقود التظاهرات إيران. وبحسبة سريعة يمكن القول أن مشروع إيران التوسعي في اليمن على يد الحوثيين سينتهي إلى الأبد. كما أن إسقاط النظام الطائفي المتعصب سوف يسهم سريعاً في عودة العراق إلى المشهد العربي وانتهاء قواعد المحاصصة الطائفية التي تؤثر على أداء وحضور العراق محلياً وعربياً على المستويات الثقافية والسياسية المعهودة عن بغداد. وفي الإطار ذاته لا يستبعد أن تنفرج الأزمة في سوريا في حال انشغال إيران بمواجهة استحقاقات التغيير الجذري لنظامها، وبخاصة أن حشود المتظاهرين ترفع شعاراً بارزاً يقوم على المطالبة بالامتناع عن صرف أموال إيران في حروب وتدخلات خارجية.

ويبقى السؤال الأهم هو هل سوف يستوعب حكام الدوحة الدرس الذي يؤكد على حيوية وضرورة الارتباط بدول الإقليم بدلاً من المراهنة على الغول الإيراني الذي يترنح في مشاكله وأزماته ويريد أن يستغل أموال القطريين لكي ينقذ نفسه؟

مركز المزماة للدراسات و البحوث

3 يناير 2018