“هل تعلمون في عام 1916 قام التركي فخري باشا بجريمة بحق أهل المدينة النبوية فسرق أموالهم وقام بخطفهم وجعلهم يركبون قطارات إلى الشام واسطنبول برحلة سُميت (سفر برلك) كما سرق الأتراك أغلب مخطوطات المكتبة المحمودية بالمدينة وأرسلوها إلى تركيا. هؤلاء أجداد أردوغان وتاريخهم مع المسلمين العرب”.

أعاد سمو الشيخ عبد الله بن زايد، وزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة، تغريد هذه التغريدة للطبيب العراقي د. علي العراقي، بتاريخ 16/12/2017، لتكشف مباشرة عن موروث الحقد لدى القادة الأتراك تجاه العرب، وعلى رأسهم أردوغان، فدفعته لتجاوز الأعراف الدبلوماسية المتبعة بين الدول، بطريقة عصابية تكشف حجم القلق الذي يعيشه خلال العامين الأخيرين، لدرجة اعتبار أي نقد لتركيا أو تاريخها هو نقد مباشر لشخصه.

الحالة العصابية التي يعيشها أردوغان منذ محاولة الانقلاب عليه صيف عام 2016، والتي ما زال يذهب ضحيتها الكثير من الأتراك الرافضين لسياساته يومياً اعتقالاً وتشريداً ومحاصرة معاشية، هذه الحالة العصابية دفعته إلى اعتبار كل مراجعة تاريخية هي تمهيد آخر للإطاحة به، أو بمشروعه العثماني الجديد، الذي شهد انتكاسات كبرى أودت به، بعد أن تسلق على أحلام الشعوب العربية، عبر أداته الرئيسة (الإخوان المسلمين). أي أن أردوغان تعاظمت أناه المضطربة حتى بات يعتبر أنه هو ذاته تركيا بتاريخها وحاضرها ودولتها.

وترتفع الحالة العصابية لدى أردوغان، خصوصاً مع نظرته –التي تطابق النظرة الإيرانية- باعتبار العالم العربي منطقة تمدد مصلحي يغيب عنها أية أدوار قيادية من داخلها، في حين أن تصاعد الدور الخليجي، وتسلمه زمام كثير من الملفات في العالم العربي، بات يحاصر الأدوار الخارجية وعلى رأسها الدور التركي. لذا تندفع تركيا في إقامة علاقات مع قوى إقليمية أو محلية معادية للدول الخليجية في محاولة لمنع استعادة الدور العربي.

هذه الانتكاسة في مشروع أردوغان، دفعته إلى اعتبار مثل هذه التغريدة، أو مجرد إعادة تغريدها خيانة لتركيا، وهي تكشف مزيداً من العنصرية التركية تجاه العرب، حيث يقول في رده:

“من الواضح أن بعض المسؤولين في الدول العربية يهدفون من معاداتهم لتركيا إلى التستر على جهلهم وعجزهم وحتى خيانتهم”.

يكشف هذا الرد، عن العنصرية التركية باتجاهين رئيسيين:

  • الأول باعتبار أن أية مراجعة تاريخية تصحيحية هي جهل بالتاريخ، أي أن المطلوب وفق المنظور العنصري التركي، قبول العربي بالرواية التركية دون أدنى مراجعة علمية حقيقية لها. هذا الأسلوب هو الأسلوب العصابي الذي يتميز به قليلو المعرفة عادة (الجهلة)، حيث يرفضون مناقشة أي موضوع لم يطّلعوا على مفرداته، وتكون ردودهم عنيفة إزاء ما هو مخالف لمعتقداتهم.
  • والثاني، من خلال الاستعلاء التركي (وتحديداً لدى أردوغان) على العرب، باعتباره للعرب خونة للمشروع التركي (السابق والحالي)، ويدل استخدام مصطلح الخيانة، على حجم الانتكاسة التي مُنِي بها أردوغان، في فرض هيمنة تركية جديدة على العالم العربي، ومستوى الانكسار الذي يعيشه شخصياً.

لكن هذه الرد الأهوج من رئيس دولة إقليمية فاعلة في الشرق الأوسط، يخفي قلقاً تركياً أوسع بكثير من مجرد إشارة إلى التاريخ العثماني في البلاد العربية، حيث يدرك المسؤولون الأتراك أن أية قراءة موسّعة لتاريخ المنطقة، بالتزامن مع جهد عربي لإزالة المظالم التي وقعت، وتصحيح المغالطات التاريخية، ستطيح بكثير من الأساطير التي نُسِجت حول التاريخ العثماني، بل وستضع تركيا أمام استحقاق دولي (قانوني وتعويضي وتاريخي)، هي غير مستعدة لتقديم أي تنازل فيه، حتى تاريخه، ما يعني أنها ستواجه ملفات جديدة لا قدرة لها بها.

ورغم أنّ التاريخ العثماني في العالم العربي مدوّن ومتاح لعموم الباحثين، إلا أنّ الإشكال وقع لناحية تأخر الاشتغال السياسي إبان استقلال الدول العربية، والعمل على إعادة تصحيح المغالطات التي شابته، وتوحيد الرواية في العالم العربي من جهة، وإعادة الحق التاريخي لمن وقعت بهم المظالم العثمانية.

ويعود تعدّد روايات هذا التاريخ (المأدلج دينياً، أو أسطورياً)، إلى تعدّد الجهات التي صاغته عربياً، وعلى رأسها أطراف كانت محسوبة على العثمانيين أنفسهم، ومن ثمّ قام أطراف داخل تيار الإسلام السياسي بترويج الرواية العثمانية، سعياً منه إلى النكوص إلى حالة سابقة، بعد عجزه عن تقديم رؤية حضارية تحديثية للعالم العربي.

إن إخفاق تيار الإسلام السياسي في التجاوب مع المعطيات التي قامت بعد بناء الدولة الوطنية، دفعته للمطالبة باستعادة الماضي والخضوع لقوة خارجية (احتلالية)، عوضاً عن الإقرار بفشله وحاجته إلى المراجعة. وهو ما جعل أردوغان يندفع سريعاً في تبني مشروع الإخوان المسلمون العرب، اعتقاداً منه أن ذلك سيمكِّنه من إعادة فرض هيمنته –ولو بشكل غير مباشر- على عموم العالم العربي، كما تفعل إيران مع الجماعات الشيعية.

ما ساعد تيار الإسلام السياسي في ترويج هذه الرواية (الأسطورة)، هو الروايات الأخرى التي قدمتها بعض النخب التغريبية أو بعض الأقليات داخل العالم العربي، والتي تجعل من المسلمين العرب شريكاً للسلطنة العثمانية من جهة، وتحصر الإشكال بين السلطنة العثمانية والأقليات فقط، في محاولة لتأسيس هوية تنزع عن المنطقة مرتكزيها الأساسيين (العروبة والإسلام)، بمفهومهما الحضاري وليس الإثني.

بين هذين الطرحين، استطاع الأتراك ترويج كثير من مغالطاتهم داخل الشارع العربي، رافضين حتى الآن، الخروج من العبء التاريخي، وتجاوز القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وعاجزين عن التصالح مع ذواتهم أولاً، ومع تاريخهم، ومع محيطهم. وعاجزين عن الإقرار بارتكابهم مجازر وانتهاكات واسعة، وبالتالي لم يقدموا أية محاولة اعتذار عن تاريخهم الدموي أو التصالح مع الشعوب التي كانت ضحايا له.

إن محاولة تصوير الوجود العثماني بغير صورته الاحتلالية، تمّ عبر نمطين أساسيين:

  • الأول من خلال إضفاء طابع القدسية الدينية على السلطنة، وهو ما شرّع كثيراً من الروايات المغلوطة وساعد في انتشارها، من خلال إذكاء الحالة الطائفية، واتّهام كل ناقد أو باحث في التاريخ العثماني، بأنه معادٍ للخلافة الإسلامية، بل وللدين بأسره. أصحاب هذه الشعبوية الدينية، بمن فيهم أردوغان، يتعمّدون إسقاط البعد الحضاري العربي، ولا تتجاوز حالة النكوص التاريخي لديهم التاريخ العثماني، أو بالأصح عام 1916. في حين أنّ النكوص يمكن أن يمتد لعصور زاهية من تاريخ المنطقة العربية، ما دام المطلوب وفق نظرتهم استعادة التاريخ لا بناء المستقبل.
  • والثاني، من خلال أسطرة حكايات شعبية، وتحويلها إلى أمجادٍ عثمانية، مع تحميلها بأبعاد إنسانية أو حضارية، لا تجد سندها التاريخي والعلمي في كثير من الحالات، سوى في الخيال الشعبي المروي شفاهاً، والمتأثِّر بحالة الاستبداد من جهة، وبالشعبوية السابقة من جهة أخرى.

ويمكن نقض هذين النمطين بعد طرق، منها:

  • استمرار الانتفاضات والثورات الشعبية في عموم البلاد العربية منذ عام 1520 وحتى عام 1916. والتي شملت اليمن وتونس والجزائر التي خرجت مبكراً عن سلطة العثمانيين، وتلتها مصر عبر سيطرة اسمية للعثمانيين وفعلية لمحمد علي باشا وذريته، وثلاث دول سعودية تجاوزت نجد إلى غالبية الجزيرة العربية، إضافة إلى شبه استقلال لإمارات الخليج العربي. يضاف إلى ذلك ثورات متكرّرة في العراق وسوريا ولبنان. يدلّ ذلك على عدم القبول النخبوي والمجتمعي للسلطنة العثمانية، وعدم الإقرار بالشرعية الدينية التي فرضتها قهراً على العرب، أو بالشرعية السياسية المتأتية عن (الدولة بالغلبة)، فالعرب لم يكونوا جزءاً أصيلاً من الدولة العثمانية، بل تحت احتلالها وفق سلوكهم المقاوِم طيلة أربعة قرون.
  • أما الرد الآخر فيقوم من خلال جرائم الانتهاكات الجسيمة التي طالت سكان المنطقة، وبما يتناقض كلياً مع المنظور الإسلامي للإدارة الداخلية أولاً. وفي حين يروّج أنصار النظرية العثمانية روايات تستند إلى منطق (ضرورة العنف) لضبط المجتمع والقضاء على مداخل القوى الأوروبية، فذلك يكون تجاه المناطق الخاضعة للاحتلال (في حال القبول بهذا المنطق المرفوض). أي أنّ استخدام هذه النظرية في تبرير الانتهاكات العثمانية هو إقرار بأنّ السلطنة كانت تنظر إلى المناطق العربية باعتبارها مناطق احتلال لا جزءاً أصيلاً منها. عدا عن أنّ المنظور الإسلامي لا يجيز بأي شكل من الأشكال الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها القوات العثمانية في عموم الأراضي التي احتلتها (تجاه العرب والمسلمين وغير المسلمين)، وفي ذلك مخالفة صريحة لقواعد الحرب في الإسلام التي سنّها الرسول عليه الصلاة والسلام من خلال حديثه: “لا تغلوا ولا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا شيخاً فانياً ولا صبياً ولا امرأة، ولا تقطعوا شجراً إلا أن تضطروا إليها. وأيما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى رجل من المشركين فهو جار، حتى يسمع كلام الله فإن تبعكم فأخوكم في الدين وإن أبى فأبلغوه مأمنه واستعينوا بالله عليه”. وما تابعه الخليفة الأول أبو بكر الصديق في وصيته العسكرية: “يا أيها الناس، قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا ولا تغلوا، ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع؛ فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له”. في حين أن السلوك العثماني طيلة القرون التي قامت فيها السلطنة، كان انتهاكاً صريحاً لأسس الحرب وقواعدها الإنسانية في الإسلام، سواءً تجاه من تعتبرهم السلطنة أعداء لها أو حتى أتباعاً لها (المسلمون). وهو ما سيظهر لاحقاً في هذه الدراسة عبر التوقف عند أبرز المجازر والاستباحات التي ارتكبتها القوات العثمانية في البلاد العربية.
  • أما الرد الثالث، فيقوم على بعد حضاري، من خلال مقارنة البنى الحضارية في المناطق التي خضعت للاحتلال العثماني، وتحديداً في الحجاز والشام والعراق، مع المدن الرئيسة اليوم في تركيا. وإن كانت المنجزات العثمانية ما تزال قائمة في المدن الشامية تحديداً، فإنها بلا شك دليل إدانة في حال مقارنتها مع المنجزات والبنى التحتية في المدن التركية، إذ يظهر الفارق ضخماً سواء لناحية نوعية الإنجاز أو كمه. رغم ما كان ينهب من البلاد العربية تحت مسمى الضرائب وسواها، والتي كانت تذهب لتطوير البنى التحتية في المناطق التركية فحسب. ويحيل ذلك مرة أخرى إلى آلية النظرة العثمانية إلى البلاد العربية باعتبارها مستعمرات على نمط المستعمرات الأوروبية في أفريقيا وأمريكا الجنوبية، والتي قامت على نهب تلك المناطق مع تقديم بنى تحتية تخدم الهدف الأساس في نهبها.

ورغم أن المنهج التاريخي لا يجيز استخدام مصطلحات معاصرة لدراسة مرحلة سابقة لم تكن فيها تلك المصطلحات سائدة، إلا أن البعد الإنساني لا يسقط بالتقادم أو بتطوّر المصطلحات أو منهاج البحث. لذا فإنّ ما ارتكبته الدولة العثمانية، يشمل وفق المصطلحات المعاصرة جرائم إبادة تحت تصنيف: جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، التي نصت عليها اتفاقية جنيف لعام 1949 (باعتبارها مقاربة إنسانية)، ومن أبرزها (وليس على سبيل الحصر):

  • القتل العمد، التعذيب، إحداث آلام كبرى مقصودة، الاعتداءات الخطيرة ضد السلامة الجسدية والصحية، المعاملة غير الإنسانية.
  • تخريب الأموال والاستيلاء عليها بصورة لا تبررها الضرورات العسكرية، والتي تنفذ على نطاق واسع غير مشروع وتعسفي، التدمير العشوائي للمدن والقرى.
  • إكراه شخص على الخدمة في القوات العسكرية لدولة العدو، حرمان شخص محمي من حقه في محاكمة قانونية وحيادية، إبعاد الأشخاص ونقلهم من أماكن وجودهم بصورة غير مشروعة، الاعتقال غير المشروع، أخذ الرهائن.
  • تعمّد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين.
  • تقرير شن هجوم مع العلم أنه سيسفر عن ضحايا في المدنيين.
  • تعمّد شن هجمات على مواقع غير عسكرية.
  • تعمّد توجيه هجمات ضد المباني المخصصة للأغراض الدينية والتعليمية والآثار والمستشفيات، على ألا تكون أهدافاً عسكرية.
  • تعمّد تجويع المدنيين، أو حرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم.
  • الجرائم الجنسية.
  • النهب.
  • الاعتداء على الكرامة.
  • الإعدام دون محاكمة.

أمّا اختبار/تطبيق هذه المعايير فهو واسع للغاية في التاريخ العثماني في بلادنا العربية، بحيث لا يتسع المجال لسردها جميعاً، بل سيتم التنويه إلى أهمّ تلك الانتهاكات التي تنطبق عليها معايير الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي ارتكبتها القوات العثمانية، كدليل عمل يمكن لأي باحث أن يبني عليه، أو لأية جهة قانونية أن تبني عليه لرفع دعوى ضد الحكومة التركية.

حيث تعرّضت المجتمعات العربية (بكلّ مكوناتها الإثنية)، لانتهاكات جسيمة، ترتقي في كثير منها إلى مستوى الإبادة الجماعية كتلك التي طالت الشعب الأرمني مطلع القرن العشرين، والتي أودت بحياة أكثر من مليون أرمني. غير أنّ الاشتغال الأرمني على توثيق هذه المجازر كان مبكراً، عدا عن طرح المسألة دولياً في أورقة المنظمات الدولية المختصة، وهو ما يشكل أيضاً دليل عمل يمكن الاشتغال عليه عربياً.

بداية المجازر العثمانية مع اجتياح بلاد الشام 1515-1516:

مع بداية الدخول العسكري العثماني إلى بلاد الشام، استبيحت المدن، وتم تدمير بنيتها الاجتماعية من خلال عمليات الإفقار والطرد السكاني واستجلاب مواطنين جدد، إضافة إلى عمليات الإبادة والقتل العشوائي. ففي عام 1515 تمت استباحة حلب ومعرة النعمان أسبوعاً كاملاً سقط خلاله، 40 ألفاً في حلب، و15 ألفاً في معرة النعمان، كما سقط إبان استباحت دمشق عام 1516 قرابة 10 آلاف شخص خلال ثلاثة أيام فقط. وفي نفس العام أُستبيح ريف ادلب وحماة وحمص والحسكة مما أدى لتحوّل كامل في البنية السكانية نتيجة الموت قتلا أو جوعاً، أو الهروب باتجاه المدن الأخرى، وتمّ ترحيل كثير من أرباب المهن والصناعات إلى داخل تركيا.

عمليات التوطين التركي في بلاد الشام (التغيير الديموغرافي):

تختلف الإحصائيات حول حجم التوطين الذي تمّ في بلاد الشام، لكن إحداها تذهب إلى أنّ السلطات العثمانية استقدمت 90 ألف عائلة تركية (قرابة مليون نسمة)، ووطّنتها في بلاد الشام، بهدف تغيير البنية الديموغرافية وجعل الأتراك أغلبية فيها. وإن كان قد تمّ ترحيل جزء منهم إلى تركيا بعد استقلال بلاد الشام، إلا أن أعداداً كبيرة استقرت في كل من العراق وسوريا.

جرائم العثمانيين إبّان استباحة مصر 1517:

لم تختلف عملية الاستباحة العثمانية لمصر عن سابقتها في بلاد الشام، بل ربّما كانت أشد وطأة على اعتبار أنّ مصر مركز المماليك ومقرهم الرئيس، حيث أعمل الجيش العثماني في القاهرة وعموم المدن التي دخلها نهباً وتدميراً وحرقاً. وأطلقوا سراح السجناء والمجرمين من سجونها، واستخدموهم في عمليات النهب والإجرام، وقد شملت عمليات النهب كل ما تقع أيدهم عليه من معادن ثمينة وأقمشة ودواب ومواد غذائية لمدة ثلاثة أيام متتالية.

وتم إلقاء القبض على المماليك والجراكسة ومن يشتبه فيه بأنه منهم، إضافة إلى بعض العرب البدو، لتضرب أعناقهم بعد تعذيبهم. وتتباين إحصائيات القتلى، حيث قدرتها المصادر في حينها بحدود 10 آلاف شخص خلال أربعة أيام، وبعض المصادر ترى أن هذا العدد من الضحايا وقع في يوم واحد فقط.

كما طالت انتهاكاتهم المساجد وتخريب الأضرحة والقبور، والتعدي على الفرائض الإسلامية لناحية تعمد الإفطار في نهار رمضان وشرب الخمور في الشوارع، وتعرية المارة من ثيابهم، والتطاول على الأعراض، واستعباد سكان القاهرة وربطهم بالحبال من رقابهم وإجبارهم على السخرة لدى الجيش العثماني، وجلدهم. وهو ما تكرر في غير موضع من البلاد التي احتلها العثمانيون. وكما فعلوا في بلاد الشام، فقد عمد العثمانيون إلى ترحيل أرباب المهن والصناعات إلى تركيا، حيث لم يكن لدى الأتراك أية خبرة في الصناعة.

استباحة دمشق 1521:

نتيجة ثورة والي دمشق جان بردي الغزالي عام 1920 عقب وفاة سليم الأول، أرسل سليمان القانوني جيوشه لدمشق، ووفقاً للمؤرخ والمدرس في جامعة هارفرد فيليب، فإن ما حلّ بدمشق حينها أقسى مما فعله تيمورلنك، فقد أبيد ثلث المدينة وغوطتها إبادة كاملة، وسرح كبار موظفي الدولة من أبناء البلد وعيّن أتراك بدلاً عنهم.

استباحة عكا 1775:

حيث نهب الجيش العثماني -وفق تقارير رسميّة- خزائن عكا ونقلها إلى الباب العالي، وشملت قرابة أربعين مليون قرش، وكثيراً من المجوهرات، قُدِّر أحدها منفرداً بمئتي ألف قرش وهو عبارة عن خنجر مصري مطعم.

مجزرة الجوازي 1816:

ارتكبتها القوات العثمانية ضد قبيلة الجوازي في مدينة بنغازي في ولاية برقة شرق ليبيا، وقتل فيها أكثر من عشرة آلاف فرد من قبيلة واحدة، انتقاماً من ثورة المدينة التي اندلعت ضد حكم أسرة القره مانللي ورفضهم دفع الضرائب المفروضة.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

٣ يناير ٢٠١٨