أنماط الدعم التركي للإخوان في العالم العربي

إخوان مصر: مطية الخلافة

استخدمت أنقرة جماعة الإخوان المسلمين ببراعة في تحقيق مصالحها الإقليمية، حيث وصل منحى العلاقة بين أنقرة والقاهرة إلى الذروة بعد وصول محمد مرسي إلى السلطة في يونيو 2012، وكان الدور التركي عاملاً مؤثراً في اتجاهات وتوجهات مرسي بفضل سياسة المعونات والإقراض من دون فوائد أو بفوائد مخفضة، وقدرت المساعدات التركية ببليوني دولار. ووصل الاندماج بين القاهرة وأنقرة مبلغاً لا حدود له، فحضر الرئيس الأسبق مرسي في سابقة هي الأولى من نوعها المؤتمر العام لحزب “العدالة والتنمية” في 30 سبتمبر 2013، وهو الأمر الذي فتح الباب واسعاً للتندر والشكوك، إذ كيف لرئيس دولة يحضر مؤتمراً حزبياً في دولة أخرى؟ مهما كانت قوة العلاقات!!.

في المقابل كانت القاهرة محطة رئيسة لأردوغان، واستقبله مرسي بحفاوة بالغة، وكان بارزاً قيام أردوغان على غرار الرئيس الأميركي أوباما، بإلقاء خطاب في جامعة القاهرة في نوفمبر 2012، وسط قيادات جماعة “الإخوان” وأنصارها، وقال: أنتظر كتابة الدستور المصري حتى نحتذي به في تركيا. ()

ووصل حجم التبادل التجاري بين تركيا ومصر في عام الجماعة إلى 4.2 مليار دولار، غير أن الخلل في الميزان التجاري كان 13 مرة لصالح تركيا (3.9 مليار دولار صادرات تركيا لمصر مقابل 300 مليون دولار وارداتها من مصر).

وبالتنسيق مع تركيا قدمت قطر دعماً غير مسبوق لجماعة الإخوان المسلمين عقب وصولها للسلطة، شملت سلسلة من المشاريع المشتركة وعمليات الاستحواذ في القطاع المالي المصري، وأكثر من 8 مليارات دولار من المساعدات التي تهدف إلى دعم الاقتصاد المصري المتعثّر. وخلال زيارته للقاهرة في سبتمبر 2012، أعلن حمد بن جاسم أن قطر ستستثمر ما مجموعه 18 مليار دولار في مصر خلال خمس سنوات. وفي سياق تعليقه بأنه “لا حدود” للدعم القطري، أعلن رئيس الوزراء القطري أنه سيتم استثمار 8 مليارات دولار في مشروع متكامل يضم محطة لتوليد الطاقة والغاز الطبيعي والحديد والصلب في بورسعيد، في حين تموّل الـ 10 مليارات المتبقية بناء مجمع سياحي لأحواض القوارب على ساحل البحر المتوسط.()

حضور أردوغان ومن خلفه الدوحة في قلب المشهد المصري أعطى دفعة قوية للجماعة، باعتبار بلاده واحدة من أهم الاقتصاديات العالمية، خصوصاً أن أنقرة كانت من ضمن دول قليلة دعمت خطوات الجماعة للإمساك بمفاصل الدولة وأعصابها الحساسة، دون أن تنتبه للانقسامات المجتمعية والسياسية التي كرستها سلوكيات الجماعة، لاسيما بعد إصدار الإعلان الدستوري في 21 نوفمبر 2012، وإقالة النائب العام عبد المجيد محمود وتعيين آخر دون استشارة مجلس القضاء الأعلى، وفي تجاوز صريح للأعراف والتقاليد القضائية.

لكن التطور الذي أحدثته موجة “30 يونيو”، وسقوط مرسي، أطاحت بحلم أردوغان في بناء ما كان يسميه نموذج “العلمانية المؤمنة”، وذلك عبر تمكين روافد عقائدية وأيديولوجية ممثلة في الأحزاب ذات الصبغة الإسلامية.

إقصاء جماعة الإخوان عن صدارة المشهد في مصر، أربك الحسابات التركية، فلجأت أنقرة إلى خطوات تصعيدية ضد القاهرة فسحبت سفيرها، وتم إلغاء عدد من الاتفاقيات التجارية، بل ذهبت بعيداً حين دعت مجلس الأمن إلى الانعقاد الفوري لبحث الوضع في مصر بعد فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة منتصف أغسطس 2013.

وهاجم رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان حينها بعنف عبد الفتاح السيسي خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم في 24 سبتمبر 2014، وقال في كلمته “في الوقت الذي تم فيه الانقلاب على رئيس منتخب من قبل الشعب، وقتل الآلاف ممن خرجوا يسألون عن مصير أصواتهم، اكتفت الأمم المتحدة والدول الديمقراطية، بمجرد المشاهدة، وأضفوا شرعية على ذلك الانقلاب”. ()

في المقابل ذهب أردوغان بعيداً في مناهضته الدولة المصرية، فاستضافت تركيا قيادات الجماعة التي تم ترحيلها من قطر في 13 سبتمبر الماضي، وقال أردوغان في 16 سبتمبر أثناء عودته من زيارة لقطر إن “تركيا سترحب بالقيادات البارزة من جماعة الإخوان، بعدما طلبت منهم قطر مغادرة أراضيها، تحت ضغوط من دول الخليج العربية الأخرى”.

صحيح أن عدداً كبيراً من قيادات الجماعة ما زال من ساكني أبراج الدوحة مدفوعة الأجر، إلا أن ترحيلها للبعض لم يكن نتاج رغبة قطرية وإنما يعود في جوهره للضغوط الدولية على الدوحة في ظل اتهامها بدعم التنظيمات الراديكالية في سوريا والعراق فضلاً عن تقديم دعم غير مباشر لـ “داعش”. أيضاً تبدو قطر بحاجة إلى رأب الصدع مع دول الخليج العربي ومصر بعد تراجع موقعها خليجياً واتساع الهوة مع جوارها الخليجي بسبب دعمها الإعلامي والمادي لجماعة تجرمها القاهرة وقطاع معتبر من الحكومات الخليجية. ()

ويرجع الموقف التركي بحدوده الحالية إلى عدد من الأسباب من بينها أن حزب “العدالة والتنمية” هو أحد الفصائل القوية التي تعمل تحت مظلة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وتحتضن تركيا اتحاد الطلاب الدولي الذي يضم شباب الدول المرتبطة بالتنظيم، وتعقد اجتماعاته السرية والعلنية برعاية الحكومة التركية. ويختص اتحاد الطلاب الدولي ومقره أنقرة بتجنيد الطلاب في الدول الإسلامية المختلفة لصالح التنظيم. ()

في المقابل مثل سقوط الإخوان في مصر ضربة قاصمة لتركيا، فالقاهرة بثقلها الإقليمي والدولي كانت بوابة العبور إلى القارة السمراء ومنطقة المغرب العربي وقلب القارة الآسيوية، ناهيك عن أن سقوط جماعة الإخوان يعني خفوت الحضور التركي في منطقة الشرق الأوسط، لاسيما وأن ثمة توتراً بين تركيا والعديد من الحكومات العربية بفعل تدخل أنقرة في الشؤون الداخلية للدول وتجاوزها سقف المسموح به في علاقاتها مع دول الإقليم.

إن هوس أردوغان والخوف من تداعيات “30 يونيو” لم يكن مبعثه فشل الرهان فحسب على جماعة الإخوان، وإنما هو تعبير عن مخاوف أردوغان من تكرار النموذج المصري في تركيا التي تشهد توتراً في العلاقات المدنية- العسكرية، خصوصاً بعد ملاحقات قضائية لقادة عسكريين كبار، ولعل ذلك ما دفع أردوغان إلى تعديل المادة 35 من قانون المؤسسة العسكرية لعام 1960، والتي كانت تنص على “أن وظيفة القوات المسلحة التركية هي حماية الوطن التركي ومبادئ الجمهورية التركية كما هي محددة في الدستور”. لكن الصيغة الجديدة التي جرى التصويت عليها بغالبية في 13 يوليو 2013، أصبحت “مهمة القوات المسلحة تتمثّل في الدفاع عن الوطن والجمهورية التركية تجاه التهديدات والأخطار الخارجية، والسعي إلى الحفاظ على القوة العسكرية وتعزيزها، بحيث تشكل قوة رادعة للأعداء، والقيام بالمهمات الخارجية التي تستند إليها من قبل البرلمان التركي، والمساعدة على تأمين السلام العالمي”. ()

إخوان مصر واجتماعات اسطنبول

شهد التنظيم الدولي للإخوان تحركات مكثفة طوال العقد الماضي، وبلغت هذه التحركات ذروتها مع بدايات العام 2003، بعد وصول “العدالة والتنمية” إلى سدة الحكم في تركيا.

ومع سقوط جماعة الإخوان في مصر عقب 30 يونيو تحولت أنقرة إلى نقطة انطلاق لأنشطة التنظيم الدولي للإخوان بهدف مواجهة التداعيات التي أفرزتها أحداث30 يونيو.

وفي هذا الإطار عقد التنظيم الدولي عدداً كبيراً من الاجتماعات بعضها تم بشكل سري ومن وراء ستار والآخر كان بدعم من حكومة العدالة والتنمية. وجاء الاجتماع الأول في 10 يوليو 2013، واستمر لثلاثة أيام، لمناقشة وثيقة خطط التحرك لمواجهة الأزمة التي عصفت بالجماعة في مصر. وضم الاجتماع عدداً من قيادات التنظيم الدولي للإخوان مثل يوسف ندا وراشد الغنوشي ومحمد رياض الشقفة وممثلين عن حركة حماس. وقد جاء هذا المؤتمر تحت غطاء حضور مؤتمر شعبي عالمي يعقده حزب السعادة التركي لنصرة الديمقراطية، للتغطية على الهدف الأساسي للاجتماع. ()

وقد تبنى الاجتماع وثيقة “استراتيجية النفس الطويل” التي وضعها المركز الدولي للدراسات والتدريب INTERNATIONAL CENTER FOR STUDIES AND TRAINING، الذراع الفكرية للجماعة. ووضعت الوثيقة عدداً من السيناريوهات والمقترحات للتعامل مع الموقف ترجح منها الصمود والدفاع عن الشرعية بالنفس الطويل ورفض المساس بشرعية الرئيس المنتخب مهما بلغت الضغوط والعمل على إحداث صدع في الجيش. وهناك سيناريو آخر يقضي باللجوء إلى عسكرة الصراع وهو ما وصفته الوثيقة بالخيار الكارثي، حيث إنه سيقود إلى تدمير البلاد على غرار ما يحدث في سوريا. وقدمت الوثيقة عدداً من الاقتراحات لإنجاح سيناريو المقاومة بالنفس الطويل عبر “تكثيف الحملات الإعلامية وتوعية الشعب بحقيقة ما حدث، والملاحقة القانونية لرموز الجيش”. ()

على صعيد ذي شأن استضافت اسطنبول في 25 و 26 سبتمبر 2013 اجتماعاً آخر للتنظيم الدولي تحت عنوان “العالم في ظل الانقلاب العسكري على إرادة الشعوب”، وافتتحه نائب رئيس الوزراء التركي، بكير بوزداغ. ومن بين الجهات المنظمة للمؤتمر، منتدى “المفكرين الإسلاميين” و”برلمانيون من أجل الشفافية”، وهما واجهتان للجهاز السياسي في التنظيم العالمي للإخوان المسلمين.

ورغم أن هدف هذا المؤتمر كان معداً سلفاً لمناقشة مستقبل تيار الإسلام السياسي في ثورات الربيع العربي، خاصة في مصر وتونس وليبيا، إلا أن أعضاء التنظيم من المصريين، تدخلوا وانحرفوا بأهداف المؤتمر وجعلوه موجهاً ضد القاهرة والسلطات الجديدة الحاكمة في مصر تحديداً، وهو الأمر الذي دفع عدداً من قيادات الجماعة في الدول العربية وفروعها في أوروبا للانسحاب اعتراضاً على هيمنة “إخوان مصر” على الاجتماع” وتوجيهه وفقاً لرغباتهم.()

وشارك في هذا المؤتمر إلى جوار جماعة “الإخوان” الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والمنتدى العالمي للبرلمانيين برئاسة حسين إبراهيم العضو البارز في الجماعة، وياسين أقطاي مدير معهد التفكير الإستراتيجي بتركيا فضلاً عن أسامه رشدي، المستشار السياسي لحزب البناء والتنمية، الذراع السياسية للجماعة الإسلامية بمصر، وحسن القزاز المستشار الاقتصادي لجماعة الإخوان جنباً إلى جنب قيادات بارزة للجماعة في أقطار عربية وأوروبية.

ولم تكن هذه الاجتماعات هي الأولى من نوعها، فقد تلا ذلك العديد من اجتماعات التنظيم الدولي للإخوان في تركيا، ففي نهاية أغسطس 2014 عقد اجتماع عاجل لمناقشة القرار القطري بترحيل سبعة من أبرز قيادات الجماعة، والتداعيات المترتبة على القرار وانعكاساتها على مستقبل الجماعة وموقعها وموضعها. بينما عقد الاجتماع الثاني في سبتمبر 2014 لإعداد خطة لإفشال زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للأمم المتحدة لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 و 25 سبتمبر 2014. ()

إخوان ليبيا: الثروة والنفط

تنطوي جهود تركيا للقيام بدور في حل الصراع الليبي على مخاطر تفاقم علاقاتها المتأزمة أصلاً مع الحلفاء الغربيين عبر زيادة الشكوك في أنها ماضية في أجندة إقليميّة موالية للإسلاميين. وعيّنت تركيا الشهر الماضي مبعوثاً خاصاً في ليبيا. وأصبح آمر الله إيشلر أول مبعوث يلتقي علناً بحكومة عمر الحاسي غير المعترف بها دوليّاً. ()

والأرجح أن هذه الخطوة عزّزت الاعتقاد بأنّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عازم على المضي في سياسة دعم الحركات الإسلامية منذ انتفاضات “الربيع العربي” عام 2011 مما أضر بسمعة أنقرة في الغرب بصفتها وسيط إقليمي.

الدعم التركي للإسلاميين في ليبيا لم يكن قاصراً على المشورات السياسية، إذ أرسلت تركيا مساعدات عسكرية تضم صواريخ أرض جو وقنابل وبراميل متفجرة لدعم جماعة أنصار الشريعة وميليشيات مصراتة وجماعة الإخوان. () كما كشف عادل القايدي رئيس لجنة الحوار المجتمعي الليبي أن أطرافاً خارجية كثيرة تعبث بالأمن القومي الليبي، وتسعى للفوضى وللنزاع المسلح بالبلاد، مشيراً إلى أن قطر والسودان وتركيا يدعمون ميليشيات مسلحة بالبلاد، خصوصاً قوات “فجر ليبيا” بالمال والسلاح من أجل تأجيج الصراع في البلاد بهدف دعم طرف بعينه وهو الإخوان المسلمون.

وفي سياق دعم جماعة الإخوان في ليبيا، نسقت أنقرة مع الدوحة التي كانت مساعداتها العسكرية والمالية حاسمة في نجاح الانتفاضة الليبية، وبخاصة في تمكين الحكومة المؤقتة والمجلس الوطني الانتقالي، من اكتساب الزخم. على صعيد ذي شأن أنشأت قطر ومعها أنقرة روابط وثيقة مع بعض الميليشيات الإسلامية الرئيسة مثل كتيبة طرابلس بقيادة عبد الحكيم بلحاج وكتيبة “راف الله السحاتي” بقيادة إسماعيل الصلاتي وأخيه علي الصلاتي الذي كان يعيش في منفاه في قطر قبل ثورة 17 فبراير 2011.()

وتنظر تركيا إلى تطورات الشأن الليبي منذ سقوط القذافي وكأنها شأن تركي داخلي، أو قضية أمنية وسياسية لها تداعيات مباشرة على قضايا الأمن ومصالح تركيا الإقليمية، على نحو أفضى للانخراط في الشأن الداخلي الليبي، وذلك بعد التحرر من أحد أهم محددات السياسة الخارجية التركية، والخاص بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، انطلاقاً من المبدأ الأتاتوركي “سلام في الداخل سلام في الخارج”. وعلى هذا الأساس قال أردوغان عقب مراسم تنصيبه الرئاسي، حول مجلس النواب الليبي المنتخب “لا يمكن القبول باجتماع البرلمان الليبي في طبرق”، معتبراً أن هذا “خطأ جدي.” وأضاف “لماذا يجتمع البرلمان في طبرق وليس في العاصمة الليبية طرابلس، نحن لا نقبل بهذا أصلاً، هذا أمر غير مقبول، هنا نحن في مواجهة وضع غير صحيح، ولهذا فإن ما حصل في طبرق هو عملية نزوح وتشريد للبرلمان”.

وأثارت تصريحات أردوغان ردود أفعال غاضبة من قبل الجهات الرسمية الليبية بالبلاد والتي استنكرت تدخله في الشأن الليبي. ودخلت الأزمة التي أحدثها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مرحلة جديدة من التصعيد الدبلوماسي، حيث قرر مجلس النواب الليبي استدعاء سفير بلاده لدى أنقرة؛ وذلك احتجاجاً على تصريحات أردوغان بشأن البرلمان. ()

التوجهات التركية حيال تطورات الوضع في ليبيا، والإصرار على دعم الميليشيات المسلحة، دفعت اللواء خليفة حفتر الذي يقود عملية الكرامة لتحرير ليبيا إلى تهديد أنقرة والدوحة بملاحقة رعاياهما بعد  دورهما في دعم قدرات الفصائل المنشقة، وخصوصاً الإسلاميين المتشددين. وأجلت تركيا بالفعل أكثر من 400 من رعاياها. ()

وتنطلق تركيا من قناعة سياسية أحادية الاتجاه بشأن حل الأزمة الليبية، وهي الامتناع عن اقتحام العاصمة طرابلس والإطاحة بالحكومة (الإسلامية) الموجودة فيها، وبرزت هذه القناعة في تصريحات المبعوث التركي إلى ليبيا الذي قال “إن الإسلاميين في ليبيا ليسوا إرهابيين.. إنهم حقيقة سياسية. نكرانهم يعني أنه ليس من الممكن إقناعهم بالتفاوض”. ()

لذلك كان طبيعياً أن يكون التوتر هو السمة الأبرز للعلاقات التركية الليبية، بالنظر إلى إصرار أردوغان على التدخل في الشأن الليبي، وهو ما كشف عنه رئيس البرلمان الليبي صالح عقيلة في حواره مع صحيفة الشرق الأوسط في 25 أكتوبر 2014 حين اتهم تركيا وقطر والسودان بدعم جماعات معينة في بلاده فيما قدم الشكر للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لدعمه لليبيا.

وقال عقيلة في حواره ”ما هو معروف لدى غالبية الشعب الليبي أن هناك دعماً من تركيا لجماعة معينة. الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قال إن هذه فتنة إعلامية، فذكرت له أن ملف الماضي يجب أن يطوى، وأن أمامنا المستقبل، فقال إنه سيرسل لنا في طبرق ممثله الخاص، وبالفعل وصل المندوب التركي قبل يومين، وأوضحنا له وجهة نظرنا، لكنه كان يبدو أنه يريد الاتصال بالجماعات المتطرفة في ليبيا، وقلنا له نحن نتحفظ على مثل هذا الاتصال مع جماعات خارجة عن القانون”. ()

تركيا وإخوان اليمن: مواجهة النفوذ الإيراني

ظلت علاقات تركيا باليمن طوال عهد صالح هامشية بينما توثقت العلاقة على عدة محاور وبطريقة سرية في جزء معتبر منها مع حركة الإخوان المسلمين في اليمن، فدعمت بالمال والاستشارات والخدمات الفنية الشيخ حميد الأحمر القيادي بالجماعة. كما منحت تركيا إخوان اليمن توكيلات لشركات ومنتجات تركية غزت أسواق اليمن بصورة لافتة، وذلك في إطار الدعم التركي لحلفاء أنقرة.

ومع تصاعد الأحداث في اليمن لم تحرك تركيا ساكناً إلا بعد رحيل علي عبد الله صالح، وفي هذا الإطار قام الرئيس التركي في يناير 2011 بزيارة لليمن، تم خلالها توقيع اتفاق مشترك لإلغاء تأشيرات المرور بين حكومتي البلدين.

وتحولت اليمن إلى قبلة للمسؤولين الأتراك في إطار المساعي لإيصال حزب الإصلاح الذراع السياسية لجماعة الإخوان إلى السلطة لضمان الحضور التركي في صدارة المشهد المسيطر على ممرات الملاحة المائية في جنوب وشمال البحر الأحمر.

وكان التخطيط التركي في اليمن هادئاً وبليل أو من وراء ستار، فمثلاً تم تدريب أكثر من 800 من كوادر حزب الإصلاح في اليمن “الإخوان المسلمين” في مجالات عديدة أبرزها التنمية البشرية والتخطيط والتقنيات الحديثة في الاتصالات والتخطيط العسكري وإدارة المؤسسات الصحية والتعليمية وغيرها.

ومع تعقد المشهد اليمني ودخول المناخ مرحلة الشحن، وسيطرة الحوثيين على العاصمة وإقالة حكومة باسندوة وتعيين حكومة جديدة بقيادة خالد بحاح، دافع الرئيس التركي أردوغان عن حزب الإصلاح في اليمن، وقال “إن الإصلاح هو الحزب الإسلامي الأكثر سياسة ومرونة من التيارات الإسلامية” وأضاف ” أن دولاً وراء سقوط حزب الإصلاح في اليمن، وما حدث هو سيناريو معروف لضرب الإسلاميين” واعتبر أن “البديل سيكون هو الأسوأ لليمنيين”.()

صحيح أن ما حدث في اليمن يمثل خطوة للوراء بشأن تراجع الدولة الوطنية لمصلحة الاستقطاب القبلي والعرقي، إلا أنه من جهة ثانية حطم مشروع العدالة والتنمية التركي الهادف إلى تأسيس كيان إسلامي بزعامة تركيا فضلاً عن بناء شبكات تحالفات قوية داخل اليمن تعمل على تعضيد المذهب السني في مواجهة مشروع إيران الداعم للتوجه الشيعي في المنطقة، وبالتالي تحويل اليمن إلى ساحة للصراع الإقليمي والمشروعات الخارجية.

تركيا وإخوان سوريا: قضم الأكراد ومصالح أخرى

منذ بداية الثورة السورية وانتشارها السريع، حاول النظام السوري التفاوض مع “الإخوان المسلمين” الذين جاءوا إلى ميادين الثورة بعد اشتعالها، وتمكنوا شأنهم شأن الجماعة في مصر وليبيا وتونس من السيطرة على مسار الثورة وقرارها السياسي والعسكري.

ومع تصاعد المشهد السوري وتراجع أنقرة عن دعم صديقها “بشار” دعمت حكومة العدالة والتنمية المعارضة السورية، وفي الصدارة منها الإخوان المسلمون، وبما يتعدى حجمهم الحقيقي في سوريا أو حضورهم على الأرض، عبر المجلس الوطني السوري، ومن ثم الائتلاف، أو عبر التعجيل بالعسكرة بتشكيل ودعم لواء التوحيد، الذي لعب دوراً بارزاً في معارك حلب والشمال، أو ألوية إخوانية كهيئة الدروع وهيئة حماية المدنيين أو حركة حزم.

وبالتعاون مع قطر لعبت تركيا دوراً هاماً في تأسيس الجيش الحر، وكرست أنقرة والدوحة هيمنتهما على المجموعات المسلحة، وتجلى ذلك في طلب جبهة النصرة الوساطة التركية أو القطرية تحديداً للإفراج عن 30 عسكرياً لبنانياً اختطفتهم الجبهة في منطقة عرسال في أغسطس 2014.

ولم تكن هذه الوساطة القطرية هي الأولى من نوعها، فقد سبق أن كانت قطر حاضرة في صفقة الإفراج عن راهبات معلولة بالقلمون شمال دمشق اللاتي تم اختطافهن في ديسمبر 2013 قبل أن تبادلهن “جبهة النصرة” بسجينات سوريات في 10 مارس 2014 فضلاً عن دور بارز للدوحة في الإفراج عن 5 من عناصر القاعدة، الذين أقاموا فترة داخل الأراضي القطرية قبل أن يعودوا إلى افغانستان. ()

في سياق متصل فإن ثمة ما يكشف عن علاقة شائكة لقطر وتركيا مع الجماعات المسلحة السورية، فعلى سبيل المثال كشفت صحيفة الديلي تليجراف في تقرير نشرته في أكتوبر 2014 أن نحو 20 شخصية قطرية ممولون بارزون ومسهلون لدعم الجماعات المسلحة في العراق وسوريا، منهم 10 أشخاص وضعوا في قوائم سوداء رسمية في الولايات المتحدة والأمم المتحدة مثل خالد محمد تركي السبيعي وهو موظف في البنك المركزي القطري، وسبق اتهامه في العام 2008 بتمويل تنظيم القاعدة.

من جهتها نددت مارين لوبان زعيمة حزب الجبهة الوطنية في اليمين الفرنسي وميشيل ديسمين من الحزب الشيوعي في مجلس الشيوخ بالدعم المالي الذي تقدمه قطر لهذه المجموعات. ()

وتسعى تركيا عبر دعمها للجماعات الراديكالية في سوريا إلى تحقيق عدة أهداف منها إفشال المشروع الكردي في المنطقة، خصوصاً بعد نجاحات أكراد سوريا في إقامة حكم ذاتي شمال البلاد منذ يناير 2014، وهو الأمر الذي ربما يغري أكراد تركيا باستلهام النموذج، لاسيما في ظل تعثر مفاوضات حل الأزمة الكردية التي تتصاعد منذ العام 1984، والتي راح ضحيتها أكثر من 40 ألف كردي، ولعل ذلك ما دفع أنقرة إلى التراخي في تقديم الدعم لأكراد عين العرب “كوباني” مقابل تقديم أنقرة من وراء ستار خدمات لوجيستية وعسكرية لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

وبينما لم يعد لدى تركيا أية غضاضة في تقبل إعلان دولة مستقلة في كردستان العراق بعدما سوت أنقرة أمورها الاقتصادية والاستراتيجية والإثنية معها، لم يخف الأتراك مخاوفهم من تنامي طموحات أكراد سوريا نحو الاستقلال هذه الأيام، وتجاوب واشنطن معها.()

صحيح أن تركيا تنفي صلتها بالجماعات المسلحة في سوريا، إلا أنها تحتفظ بعلاقات وثيقة مع جماعة الإخوان السورية التي تتخذ من أنقرة مقراً لها، وتراهن عليها تركيا في الوصول إلى صدارة المشهد عقب الإطاحة بالرئيس الحالي بشار الأسد.

وبالنظر إلى ضعف الحضور الشعبي للإخوان المسلمين في الداخل السوري، وتراجع الصورة الذهنية للجماعة في الوعي الجمعي السوري، شرعت تركيا في دفع إخوان المنفى إلى إنجاز كيان حزبي تحت عنوان “الحزب الوطني للعدالة والدستور” والمعروف باسمه المختصر “وعد”، لمساعدة الجماعة في أية عملية انتقال ديمقراطي تشهدها سوريا في نهاية المطاف.

وثمة ما يؤشر إلى أن تركيا تمسك بمفاصل جماعة الإخوان المسلمين وتطوعها وفقاً لأجندتها ومصالحها في المنطقة، فعلى الرغم من تشكيل حزب “وعد” في اسطنبول في يونيو 2013، إلا أن الإعلان عنه تأجل لأن “السلطات التركية طلبت توضيح مبادئ الحزب وبرنامجه السياسي. وقد تم تحديد 12 نوفمبر الماضي موعداً جديداً لإطلاق الحزب لكن حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا طلب المزيد من التأجيل.()

ويضطر حزب “وعد” إلى الانتظار إلى أجل غير مسمى. فالسلطات التركية، التي تواجه معارضة داخلية متنامية بشأن سياستها إزاء سوريا، وتدهوراً في علاقاتها مع قطاع كبير من دول المنطقة، تبدو حذرة تجاه تقديم الدعم للمبادرة السياسية الجديدة.

ومن ثم أضحى بقاء “وعد” مرهوناً بدعم تركيا التي تشكّل القاعدة الآمنة الوحيدة لجماعة الإخوان في الدول المجاورة لسوريا، حيث توفّر مكاناً آمناً لاجتماع زعماء الحركة وتستضيف مكاتبها.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

٣ يناير ٢٠١٨