شهد الاحتجاجات الشعبية الغاضبة في إيران تمدداً أرعب نظام طهران وحلفاءه، وبخاصة بعد أن شمل تمدد التظاهرات مستويات جغرافية ومطلبية لم تكن في الحسبان، وكذلك لجهة تنوع شرائح المحتجين الذين يتصدرهم الشباب. وفيما كانت شرارة الاحتجاجات قد انطلقت في محافظات إيرانية محدودة تحت عناوين اقتصادية تتعلق بالشكوى المريرة من ارتفاع الأسعار وضيق الحياة المعيشية في ظل البطالة المستشرية في الشارع الإيراني؛ إلا أن المدن والمحافظات التي انضمت إلى تظاهرات الغضب أصابت النظام بالاحباط والفزع. كما ارتفع سقف المطالب وانتقلت الشعارات السياسية في اليوم السابع من المظاهرات إلى المطالبة برحيل المرشد وإسقاط نظام ولاية الفقيه الذي تتأسس عليه آلية الحكم في إيران منذ ثورة الخميني.

يأتي هذا التحول الجوهري في مضمون الاحتجاجات الجارية في الوقت الذي حرصت فيه وسائل إعلام النظام الإيراني على طمأنة أنصار النظام والتذكير بمظاهرات سابقة كان الحرس الثوري يسيطر عليها ويقمعها، غير أنها لم تكن ترفع شعارات جريئة كما يحدث في الاحتجاجات المستمرة منذ أسبوع.

وتبعاً لجذور الإشكالية التي ورطت الإيرانيين في مأزق الخضوع لحكم رجال الدين الذين يتهمون المحتجين بالخيانة والعمالة لقوى خارجية؛ استعاد الكثير من المتظاهرين والمعارضين الإيرانيين هذه الأيام أجواء الثورة ضد حكم الشاه في أواخر سبعينيات القرن الماضي. تلك الثورة التي كانت أهدافها في بداية الأمر معبرة عن تطلعات مدنية لقوى سياسية متنوعة يتقدمها التيار اليساري والليبرالي. لكن رجال الدين الشيعة التقليديين استولوا على الثورة في نهاية المطاف، من خلال تسويق وفرض شخصية الخميني الذي كان يعيش في المنفى، وتمكن مع تياره المتشدد من الهيمنة على إيران وفرض نظام حكم متطرف ضد الداخل والخارج معاً ويقود البلاد منذ 1979م.

وكان حكم المرشد أو الولي الفقيه يعتمد على إلهاء الإيرانيين ودفعهم إلى الاختيار في الانتخابات الشكلية الموسمية بين تيارين لا ثالث لهما، وهما التيار المحافظ والتيار الإصلاحي، وكلاهما يدينان بالولاء لمرشد الثورة ولا يخرجان عن طوعه وعن منظومة تعاليم الرجل الأول المسيطر على مقاليد الحكم من وراء ستار، وهو علي خامنئي الذي تسلم قيادة إيران الروحية والسياسية بعد موت الخميني سنة 1989م.

الجديد في تظاهرات الشارع الإيراني هذا الأسبوع أنها تقلب الطاولة لأول مرة على النظام وترفض الخضوع للديكور الزائف الذي يقوم فيه طرفان من النظام بدور مسرحي متكرر يتبادلان فيه دور المتشدد والمتسامح وهما يرتبطان في الوقت ذاته بخدمة وطاعة المرشد.

ما يجعل ملالي طهران يدقون ناقوس الخطر ويتعاملون مع المحتجين بقسوة بالغة وصلت إلى درجة قتل العديد من المتظاهرين واعتقال الآلاف، هو أن حناجر الإيرانيين بدأت أخيراً تصرخ ضد القواعد الأساسية التي يتكون منها النظام الحديدي الذي يحكم البلاد. وبالتالي فإن ارتفاع سقف مطالب المتظاهرين وتبلور قائمة أهداف سياسية لإعادة صياغة نظام الحكم وتصحيح مسار السياسة الإيرانية الداخلية والخارجية إنما يؤسس عملياً لثورة جذرية في إيران، وإذا لم تنجح الاحتجاجات القائمة في تحقيق هذا الهدف فإنها ستكون حاسمة ومفصلية من جهة كسرها لأول مرة لحواجز الخوف ورفع الصوت الإيراني المعارض عالياً للمطالبة بتغيير النظام وإسقاط كل ملامح نظام الولاية، بما فيها تدخلاته في شؤون الآخرين والقائمة على شعارات مذهبية لا علاقة لها بمصالح الشعوب والقوميات الإيرانية، التي تخسر ثرواتها ومستقبل أبنائها من أجل أن يحظى رجال الدين المتطرفين بتمويل أحزاب وجماعات تخريبية موالية لهم في بلدان أخرى.

وبالنسبة للشروط الموضوعية اللازمة لاندلاع ثورة شاملة في إيران، يرى المتابعون أنها متوفرة منذ سنوات، لكن القمع والبطش كان سبباً في تأخيرها. بينما تصدى الجيل الإيراني الشاب لهذه المهمة الصعبة بعد أن وجد الشباب أن مستقبلهم سيكون ضائعاً وأنهم سيحرمون من الحياة العصرية الكريمة أسوة بشباب البلدان الأخرى فيما لو واصلوا نهج الخضوع والصمت كما فعلت الأجيال التي قبلهم، وكل الأسباب التي تؤدي إلى تغيير نظام رجال الدين في إيران متوفرة، وبعد أن تمادى النظام في قتل المحتجين واعتقال أعداد كبيرة منهم امتلكت الاحتجاجات مشروعية حقوقية كما اكتسبت دعماً دولياً وتعاطفاً في كل أرجاء العالم.

أما عن قيام النظام بقطع شبكة الانترنت لحرمان المحتجين من التواصل فإنه بعد أسبوع من اندلاع المظاهرات لم يعد مجدياً بقدر ما أثار المزيد من الغضب في أوساط الشباب الذين وجدوا وسائل أخرى للتواصل وتحديد ساعات وأماكن التظاهر.

على المستوى الدولي ضاق الخناق كثيراً على نظام طهران، ويبدو أن عهد أوباما كان مثالياً للحكومة الإيرانية التي استطاعت خلاله أن تحصل من الولايات المتحدة وأوروبا على فرصة للتفاوض بشأن برنامجها النوووي، إلى جانب ابتزازها للغرب وحصولها على مليارات الدولارات وإطلاق مليارات أخرى من أرصدتها المجمدة، مقابل الإشراف والرقابة على برنامجها النووي الذي شرعت في إنجازه منذ البداية لإيجاد ورقة ابتزاز. ورغم ذلك تمردت طهران ونقضت الاتفاق من خلال الانتقال لتطوير برنامجها الصاروخي، إلى جانب تدخلها المستمر في شؤون دول الإقليم ودعمها لمليشيات انقلابية وأحزاب وجماعات مسلحة خارج القانون. وكانت الحصيلة أن إيران خلقت بنفسها أجواء إقليمية ودولية غير متعاطفة معها ومن المرجح في حال استمرار الاحتجاجات والتعامل بقسوة معها أن يتحول المناخ الإقليمي والدولي إلى عامل مساعد للترحيب بتغيير النظام الإيراني بل والعمل على الدفع باتجاه إحداث التغيير، لإيجاد حكومة عصرية تخدم مصالح الإيرانيين وتحترم تعهداتها وتكف عن التدخل وعن دعم الإرهاب وجماعات التخريب في البلدان الأخرى.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

٣ يناير ٢٠١٨