إن أكثر ما يكشف تخبط النظام الإيراني في تعامله مع الانتفاضة المشتعلة منذ يوم الخميس الماضي هو استماتته للتكتم والتعتيم عليها وإصداره الأوامر بين الفينة والأخرى لكافة وسائل الإعلام بعدم نشر أي خبر يتعلق بالمظاهرات والتركيز على مسيرات مؤيدة للنظام والترويج لتصريحات قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري التي تعبر بما للكلمة من معنى عن انفصاله تماما عن الواقع حين يعلن أن المظاهرات قد انتهت وأن كافة الأمور في كافة المدن الإيرانية أصبحت على ما يرام.

من يتابع الصحف ووكالات الأنباء الإيرانية، وفي الوقت نفسه يتابع وسائل التواصل الاجتماعي وخاصة قنوات التليغرام وما تنشره من مقاطع فيديو وصور لا لبس فيها، يعلم يقينا كم هو النظام الإيراني غارق في تزييف الحقائق وقلب الوقائع لدرجة تحار بها العقول، وتكشف أن كافة وسائل الإعلام الإيرانية سواء الإصلاحية أو المعتدلة أو المتشددة قائمة في عملها على التزوير وقلب الحقائق، ووظيفتها الأساسية هو التعتيم على حقيقة الداخل الإيراني والتصفيق للنظام والترويج لسياساته الباطلة وأفكاره الرجعية.

هكذا كان النظام الإيراني يلفق الحقائق ويمتهن التزوير ويقدم الصورة التي يريدها عن الداخل أمام الرأي العام الخارجي، ولكن مع التقدم ووصول الإنترنت بكثافة إلى المواطنين الإيرانيين أصبحت أمور الرقابة تفلت شيئا فشيئا من يد أجهزة النظام الأمنية، وأصبح كل مواطن إيراني قادر على نقل الحقيقة إلى الخارج عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعلى رأسها التليغرام الأكثر انتشارا في إيران، لهذا السبب تتجه الانتفاضة الإيرانية الحالية في طريق النجاح وإسقاط النظام، حيث أثبتت الصور ومقاطع الفيديو التي نشرت ولا تزال تتدفق عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن المظاهرات مستمرة في المدن الإيرانية حتى إسقاط نظام الولي الفقيه.

من خلال قراءة الشعارات التي أطلقها ولا يزال يرددها المتظاهرون في المدن الإيرانية، والتي أبرزها الموت للدكتاتور أي الموت لخامنئي، ونموت نموت ونسترد إيران، وما أظهرته مقاطع الفيديو من مظاهرات حاشدة في كافة المدن الإيرانية الرئيسية وعلى رأسها طهران، وكتابة شعار الموت لخامنئي “مرگ بر خامنه اي” على الجدران في طهران ومشهد وعدد من المدن الإيرانية، وتمزيق لصورة خامنئي والخميني، وما نشر من دعوات عامة للشعوب الإيرانية للمشاركة في مظاهرات تعم المدن الإيرانية اليوم الخميس الموافق 4 يناير 2018، تؤكد أن المظاهرات ستستمر في إيران، وتفند كافة مزاعم السلطات الإيرانية في أن المظاهرات قد انتهت وعادت الأمور كما كانت.

ومن الرصد الدقيق لآخر التطورات في إيران، فقد تم تحديد عدة أساليب شيطانية يستخدمها الحرس الثوري لقمع المظاهرات وترويع المتظاهرين، أهمها إشعاله للحرائق في مناطق تجمع المتظاهرين، ونشره لصور يقول أنها لمطلوبين، وترويجه لأخبار تتعلق بأن المعتقلين على خلفية الأحداث قد يواجهون عقوبة الإعدام، والأهم من ذلك ما كشفته وسائل التواصل الاجتماعي من أن مسؤولين أمنيين يزورون باستمرار منذ اندلاع المظاهرات واتساعها على نطاق واسع، السجون الإيرانية وخاصة سجن إيفين، من أجل عقد صفقات مع سجناء سياسيين ليظهروا على التلفزيون الإيراني ويعلنون تأييدهم للنظام ورفضهم للفوضى والمظاهرات مقابل إطلاق سراحهم وإعطائهم ميزات أخرى، كما أكدت التقارير أن الحرس الثوري يقوم باستخدام مجرمين وأوباش وعلى رأسهم “هاني كرده” من أجل تخريب الممتلكات العامة ونهب أموال الناس ثم تصويرهم وبعد ذلك نشر ما تم تصويره عبر التلفزيون الرسمي ونسب هذه الأعمال للمتظاهرين بهدف تشويه صورة المظاهرات وإلقاء الرعب في قلوب المواطنين.

وفي الحقيقة وعلى عكس ما نشرته وسائل الإعلام الإيرانية، فإن ليلة أمس شهدت مظاهرات في مدن إيرانية مختلفة، ففي طهران اندلعت المظاهرات في ميدان “الثورة” وشارع “وليعصر” وفي ميدان “هفت حوض” ووقعت عدة اشتباكات بين المتظاهرين والقوات الأمنية، وفي الأحواز أيضا اندلعت مظاهرات وهتف المتظاهرون الموت لخامنئي، وبينت مقاطع فيديو متظاهرين في الأحواز يدعسون على صورة الخميني ويمزقونها، وغص شارع “نادري” بالمتظاهرين الذين أطلقوا شعار الموت للدكتاتور، وأكد المتظاهرون استمرارهم في التظاهر حتى إسقاط نظام الولي الفقيه بشكل كامل، وفي الفلاحية في الأحواز أيضا حدثت اشتباكات عنيفة بين المتظاهرين والقوات الأمنية، كما شهدت أرومية أيضا مظاهرات واسعة، وأظهرت الصورة التي بثتها مواقع التواصل الاجتماعي شعار “الموت لخامنئي” مكتوب على أحد الجدران في مدينة أرومية، كما شهدت أيضا مدينة أصفهان مظاهرات جرى خلالها اشتباكات بين المتظاهرين وعناصر الأمن، وكذلك مشهد أيضا وقد أظهر موقع فيديو مصور سيدة إيرانية وهي تكتب شعار الموت لخامنئي على أحد الجدران في مدينة مشهد.

واندلعت مظاهرات في بندر عباس وهتف المتظاهرون الموت للدكتاتور أي خامنئي، وشهدت مدينة “أبهر” أيضا مظاهرات، وأشعلت القوات الأمنية النيران بأشجار “ميدان المعلم” في مدينة أبهر لترويع المتظاهرين، وشهدت مدينة “شاهين شهر” أيضا مظاهرات تحت شعار الموت للدكتاتور، وخرجت مظاهرات في مدينة مراغة الواقعة شمال غرب إيران ووقعت اشتباكات بين المتظاهرين والقوات الأمنية حسبما ذكر موقع “إيران آزاد” و”موقع آمدنيوز”.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

4 يناير 2018