لم تتخذ الحكومة الإيرانية أي إجراءات اقتصادية أو تقشفية بناء على الاحتجاجات الشعبية الغاضبة التي اندلعت في معظم المدن الإيرانية منذ أكثر من أسبوع، بل لجأت إلى القمع والعنف والاعتقالات التعسفية لمواجهة التظاهرات، كما قام النظام بتحريك مسيرات لمؤيديه أظهرت ترتيباتها وأعدادها درجة الهلع والخوف الذي هز أركان السلطة الإيرانية ودفع بقياداتها إلى الاختفاء، باستثناء بعض الخطباء والقيادات الأمنية التي تم تكلفيها باتخاذ أقسى درجات القمع في مواجهة المحتجين.

إلى جانب ذلك اشتغلت الآلة الإعلامية الإيرانية الرسمية على ثلاثة محاور: التعتيم والتكتم من جهة، ومن جهة أخرى الاعتراف الضمني بالمظاهرات مقابل اتهام من يقومون بها بالعمالة لقوى خارجية، والمسار الثالث كان إعادة النفخ في جثة النظام والترويج لقواعده ومبادئه وخطوطه الحمر، بالتركيز على إبراز العقوبات لكل من يفكر بتجاوز ثوابت النظام القمعي.

وفي رد فعل متهور للسلطات الإيرانية خلافاً لردود أفعال كل السلطات التي تواجه مظاهرات غاضبة من هذا النوع؛ قامت سلطة طهران على مدى الأربعة الأيام الماضية بتنظيم مظاهرات مؤيدة رداً على المظاهرات العفوية للمعارضين، ومما أثار استغراب ويأس قطاع عريض من الشارع الإيراني أن كافة أجنحة النظام المتطرفة والمعتدلة أو التي تصف نفسها بالإصلاحية شاركت في مسيرات التأييد والتطبيل للنظام، مع تخوين المعارضين وتوجيه التهم لهم بالعمالة والارتزاق.

في كل الأحوال دشن معارضو النظام الإيراني سلسلة لن تتوقف من الاحتجاجات، التي فتحت الباب لأول مرة أمام مراجعة الواقع الإيراني وعدم السكوت على عبث السلطة وهدرها للأموال في مشاريع حروب طائفية خارجية لا تهم الإيرانيين، ولأن النظام يعتمد في خطابه الأيديولوجي أمام أنصاره المتشددين على تدخلاته الخارجية فإنه سوف يواصل تلك التدخلات بما تتضمنه من فاتورة غالية تثقل كاهل جميع الإيرانيين، وهذا بدوره يضمن وبصورة تلقائية استمرار بذور وأسباب الغضب الشعبي في المستقبل المنظور.

وبعيداً عن تكلفة التدخلات الإيرانية المستمرة في حروب عبثية خارج حدودها، هناك قنبلة أخرى موقوتة يتسبب فيها إجراء إيراني حكومي خطير جداً، ومن شأنه أن يجعل الاحتجاجات تتوسع في الفترة القادمة، وهو الخطوط العامة للميزانية الإيرانية للعام القادم الذي يبدأ بحسب التقويم الفارسي في 21 مارس القادم، وتكشف المؤشرات أن الميزانية تتضمن تحديد مخصصات كبرى للجوانب الأمنية والعسكرية، مما يجعلها خارجة عن تلبية مطالب الاحتجاجات الطازجة التي لم تهدأ ولم تجف دماء ضحاياها كما لم يتم الإفراج عن المعتقلين بسببها حتى الآن.

بذور الغضب في إيران سوف تتجدد وتستمر عندما يتم إشهار ميزانية السنة الجديدة التي تعتبر ميزانية عسكرية تخلو من المعالجات التي تكفل تهدئة الشارع الغاضب، وسوف تذهب الأرقام الكبرى المرصودة كالمعتاد للحرس الثوري وفيلق القدس، لتستمر مأساة فقراء إيران الذين يحرمون من ثروة بلادهم بسبب رغبة حفنة من رجال الدين في نشر الفوضى وتعميم الفتنة الطائفية في العالم الإسلامي.

كانت أولويات الشارع الإيراني الاقتصادية ولا تزال من حيث المبدأ والاحتياج الضروري تتطلب الالتفات للشريحة الفقيرة التي تشكل أغلبية الإيرانيين. لكن التعامل مع ميزانية العام القادم بعقلية عسكرية سوف يزيد منسوب الغضب الشعبي تجاه حكام طهران ويعمل على توسيع الفجوة بين طبقات المجتمع لتتوسع قاعدة الفقراء.

الأرقام الحقيقية المتداولة لنسبة البطالة في المجتمع الإيراني والتي كانت أحد أسباب الاحتجاجات تشير إلى أن النسبة وصلت في بعض المناطق إلى 60% وبعضها إلى 40% بينما تعتمد الحكومة الإيرانية النسبة الأقل 12% لكي لا تواجه المشكلة كما هي بحجمها الحقيقي في الواقع.

وطبقاً لإحصاءات متداولة فإن حوالي 40 مليون مواطن إيراني تحت خط الفقر، وأن 70 مليون إيراني كانوا يتقاضون معونات مالية متواضعة من الحكومة، لكن الرئيس الحالي روحاني اعتمد على سياسة تقليص إنفاق الحكومة على الضمان الاجتماعي للفقراء بالتدريج، وصولاً إلى إلغاء هذا البند كما يبدو من الميزانية القادمة، وهذا بحد ذاته أمر كافٍ لاندلاع موجة غضب قادمة سوف تكون أقوى بكثير من احتجاجات هذا الشهر.

في المحصلة النهائية تتجمع المزيد من الأسباب الاقتصادية والسياسية التي توحي بأن إيران تغالط شعبها وتكذب على نفسها بترحيل مشاكلها وعدم حلها بشكل جذري، على المستوى الاقتصادي سوف تتضخم مسببات الغضب الشعبي لأن الوضع البائس للاقتصاد الإيراني زاد سوءاً وخسرت العملة جزءاً من قيمتها أمام الدلار، إلى جانب تأثير مخاوف الناس إثر التظاهرات وقيامهم بشراء وتخزين كميات كبيرة من المواد الغذائية استعداداً للأسوأ الذي يبدو أنهم ينتظرونه ويتوقعونه أشد وأقسى في قادم الأيام، وسياسياً تساوت في نظر الإيرانيين كل التيارات التي وقفت مع النظام وثبت أنها جناح واحد في وقت الخطر، وهذه مسألة إيجابية لصالح الإيرانيين الذين كانوا مخدوعين بوجود أجنحة متعددة داخل النظام، وسيكون عليهم منذ الآن التعاطي مع رجال السلطة القمعية الراهنة بعيداً عن الأقنعة الوهمية.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

٧ يناير ٢٠١٨