يعترف العديد من أفراد النخبة الإيرانية أن بلادهم كانت في زمن حكم الشاه أفضل كثيراً من مرحلة ما بعد استيلاء الخميني على الحكم، بعد أن اختطف رجال الدين في عهده إيران والمجتمع الإيراني وأعادوا أرض فارس بشعوبها وقومياتها إلى ما يشبه العصور الوسطى المظلمة، وبقراءة تاريخية محايدة نكتشف أن عهد المرحلة الشاهنشاهية كان قد وضع إيران في مصاف الدول المتقدمة على المستويات كافة، وكلما قرأنا مذكرات أو روايات عن فترة ما قبل الخميني نجد بين سطورها الكثير من الحنين إلى تلك الفترة التي تعتبر قياساً بما بعدها فترة ذهبية في تاريخ إيران، سواء من ناحية الحريات أو من ناحية مستوى المعيشة والرفاهية ومكانة المرأة في المجتمع والتعليم الحديث والأزياء الجميلة ونمط الحياة المختلف الذي كان يجعل كبرى المدن الإيرانية تبدو وكأنها قطعة من أوروبا. ومن حيث التصنيف داخل محيط الشرق الأوسط، كانت إيران في عهد الشاه دولة حديثة وقوية وغنية، أسعدت مجتمعها وجعلته يتنعم بنمط حياة ثرية تستهلك أحدث منتجات الثقافة والفنون والموسيقا العالمية، وكان للمرأة الإيرانية حضور متميز ومكانة رفيعة ومشاركة حيوية في الحياة العامة، وليس كما حدث بعد سيطرة الخميني وعصابته على الحكم حيث كانت أولى قراراتهم سحق شخصية المرأة الإيرانية وتحويلها إلى خادمة في بيوت العجائز من الملالي والكهنة الذين أعادوا إيران عقوداً إلى الوراء في سنوات قليلة.

صحيح أن أواخر عهد حكم أسرة الشاه اتصف ببعض الفساد والإسراف المالي ورهن القرار الاقتصادي بالعلاقة مع الولايات المتحدة، لكن عهد الملالي سقط سقوطاً مريعاً في وحل فساد وإفساد أشد قسوة على الإيرانيين وعلى معيشتهم ومستقبلهم.

وقد دشن نظام الخميني «إرهاب الدولة» فور وصوله إلى السلطة باقتحام السفارة الأميركية في طهران، ثم بعد شهور قليلة أدخل الإيرانيين في حرب مدمرة مع العراق راح ضحيتها مئات الآلاف من الإيرانيين بتكلفة مالية مهولة كانت البنية التحتية الإيرانية في أمس الحاجة إليها. وفي ملف فساد نظام الخميني يكفي أن نعرف أن كل مرجع شيعي إيراني يمتلك من خلال الإشراف على الحوزات ملايين الدولارات التي تتم جبايتها واكتنازها تحت مبررات دينية تنتمي للخرافة والنصب على المجتمع، وبذلك فإن أي فساد مالي في عهد الشاه لا يعادل فساد رجل دين إيراني واحد في عهد ما بعد ثورة الخميني.

والأدهى أن فساد نظام الولي الفقيه محمي بشعارات وتبريرات دينية تمنحه حصانة من النقد وتمنع محاسبته، لكن الثورة المشتعلة هذه الأيام في شوارع المدن الإيرانية تنذر بفتح كل ملفات عهد الخميني الذي دمر إيران وتسبب في حرمان شبابها من بناء مستقبل إيجابي يعيشون فيه بأمان من دون حروب وعداوات مفتعلة، وبخاصة أن النظام الإيراني الموتور يستعدي كل دول العالم ولم يترك للإيرانيين أي فرصة للعيش بسلام، فمعظم دخل إيران من ثرواتها الطبيعية ومن عائدات الضرائب والجباية تنفقها الآن لدعم مجموعات شيعية إرهابية تعيث فساداً وتخريباً في أقطار أخرى، كما تذهب أموال الإيرانيين في الإنفاق اللامحدود على التسليح وعلى تمويل برامج صاروخية ومشروعات غامضة للتصنيع الحربي، الأمر الذي يضع إيران لدى المجتمع الدولي ومؤسساته في خانة الدولة الإرهابية التي تهدد السلم العالمي.

وبحسابات الربح والخسارة التي يجب أن تتنبه لها الشعوب والقوميات الإيرانية، لا شك أن الانتفاضة المستمرة منذ أكثر من أسبوع تضع الإيرانيين أمام خيار وحيد، وهو استعادة إيران المختطفة منذ عهد الخميني وتخليصها من أيدي الكهنة الفاسدين الذين حولوا حياة الإيرانيين إلى جحيم، وأضافوا إلى جانب فشلهم في تحقيق الاستقرار الداخلي لإيران التدخل في شؤون الدول الأخرى، في محاولة لتعميم منهج الجهل والفقر والخرافة الذي يحكمون بواسطته.

وأخيراً فإن الخلاص المرتقب من نظام الملالي المتطرف يوفر فرصة لازدهار إيران ذاتها، إلى جانب الأثر الإيجابي المتوقع في المنطقة عموماً، مما يجعل من إعادة صياغة السياسة الإيرانية مصلحة للداخل الإيراني ومطلباً ضرورياً للمجتمع الدولي الذي سئم تقلبات وأكاذيب أصحاب العمائم في طهران.

بقلم: د. سالم حميد

تاريخ النشر: الأحد 07 يناير 2018

رابط المقال في جريدة الاتحاد: إيران بين الشاهنشاهية والخُمينية