بات في حكم المؤكد أن خروج الشباب الإيراني هذه المرة إلى الشوارع في مظاهرات ساخنة ترفع شعارات لم تكن مألوفة من قبل، إنما يؤسس لثورة حاسمة ضد النظام مهما طال وقت غليانها الذي يجب أن يأخذ مداه حتى تنضج. لذلك، ومن خلال المعطيات التي تتجمع، فإن السقوط الفعلي للنظام الإيراني أصبح مسألة وقت لا أكثر، حتى وإن بدا نظام طهران حتى الآن قوياً بحشود حرسه وقوات أمنه وبأعداد زنازين سجونه والأصوات العالية لمن لا يزالون يؤيدونه غير مصدقين لما يحدث.

لقد حدث تحول كبير في الذهنية الجمعية للإيرانيين. حتى أن الفئة التي تسمى في مثل هذه الظروف بالصامتة، صارت تنظر بلا شك إلى المحتجين الشجعان بإجلال ومهابة، وتضيف إليهم كل يوم عناصر جديدة لتنخرط حشود أكثر عدداً في التظاهرات الليلية والنهارية، رغم كثافة الاعتقالات والإصابات التي تطال المتظاهرين.

وثمة جديد في تظاهرات بلاد فارس التي أعلنها الخميني منذ عام 1979 محمية طائفية مذهبية، تدار بالحديد والنار والخرافة والترهيب والترغيب بصكوك الغفران ومفاتيح الجنة. الجديد هو الجرأة لدى الشباب الإيراني على استهداف كل الرموز التي كانت في خانة مقدسات النظام، وأولها شخصية الخميني المؤسس لنظام ولاية الفقيه، الذي تطاله لعنات الغاضبين من الأجيال الجديدة، وصولاً إلى الهتافات المباشرة التي تنادي بسقوط بديل الخميني ورأس النظام القائم علي خامنئي. العجوز الذي يكنز الأموال ويحكم شعباً يعاني من ارتفاع حاد في نسبة البطالة وانتشار الفساد والموبقات.

وفي إطار الاستهداف الاستثنائي غير المألوف للرموز التي كانت تعتبر مقدسة، قام المحتجون طبقاً لمقاطع مصورة بحرق علم ثورة الخميني مقابل رفع علم إيران القديم. إلى جانب الشعارات التي غزت جدران شوارع المدن وتسببت في انهيار معنويات مؤيدي النظام وقواته الأمنية، وفي مقدمة الشعارات الصادمة والجريئة التي تم رفعها تلك التي استهدفت خامنئي وطالبت برحيله النهائي عن السلطة، بينما أخرج النظام مظاهرات مبرمجة كان هدفها الأساسي إعادة تذكير الإيرانيين بالخرافات التي تسقط على التوالي وتفقد تأثيرها المعنوي الزائف.

ولعل أخطر ما يواجهه نظام طهران المتعصب هو سقوط خرافاته وتحرر عقول الأجيال الشابة من الشعارات القديمة واليقينيات التي حاول رجال الدين تثبيتها في عقول الإيرانيين من باب العقيدة. فسقوط مفهوم الإمامة وولاية الفقيه في الوعي الإيراني الجديد هو الثورة الحقيقية التي تدق مسماراً في نعش النظام وسوف تقود إلى طي صفحته إلى الأبد.

استمر النظام الإيراني يضحك على شعبه طوال ما يقرب من 39 عاماً من خلال الترويج لأهمية ومحورية منصب مرشد الثورة، انطلاقاً من التنظير البائس للخميني الذي اخترع نظرية الولي الفقيه. وظل هذا المفهوم يمارس درجات متعددة من الخداع والوصاية والتزييف وسرقة السلطة على الإيرانيين. أما الآن فليس من المعقول أن يلاحظ الإيراني أن كل دول العالم تتطور من حوله وتتقدم بشعوبها إلى المستقبل وهي بلا مرشد أو فقيه أو إمام، ولن يجبره أحد على أن يبقى راضياً بهذه الخرافة. لذلك فإن الانتفاضة القائمة في إيران هذه الأيام تترجم الرفض الشعبي لسلوك ونظام رجال الدين الدجالين في طهران الذين يصرون على أن نظام الفقيه المرشد من ضرورات الدين والدنيا، في حين يعرف كل إنسان عاقل أن توظيف الدين سياسياً يعد أحد أبرز أساليب الدجل على الشعوب والسيطرة على ثرواتها، كما يفعل النظام الإيراني منذ عقود.

ويمكن القول أن ثورة الإيرانيين الجديدة هي ثورة ضد كل ما يرمز إلى الدجل والخرافة والطائفية وضد رموز الكهنوت الديني، وأن هذه الانتفاضة لا بد أن تقود إلى إقامة حكم جديد يرتقي بحياة المجتمع الإيراني نحو الأفضل، وهذا هو حلم غالبية الإيرانيين الذين يعبرون عنه داخل إيران وخارجها بوسائل متعددة.

وختاماً من كان يصدق أن يأتي اليوم الذي يصرخ فيه الإيرانيون ضد حكم المرشد الدجال، ويكتبون بأيديهم شعارات ضد النظام الإيراني، وصولاً إلى الاشتباك المباشر مع قوات الأمن التي فقدت هيبتها واستخدمت كل الحيل والأساليب لفض الاحتجاجات لكنها لم تنجح أمام تدفق الإيرانيين وتزايد أعداد المنضمنين إلى سيول المتظاهرين في شوارع المدن الرئيسية. والأيام القادمة ستكشف هشاشة النظام الإيراني أكثر من قبل، فكلما ارتفعت صيحات المحتجين اهتز نظام الملالي وانكسرت المزيد من حواجز الخوف.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

٧ يناير ٢٠١٨