مارست السلطات التركية بذريعة الانقلاب على رأس الحكم أردوغان، أشد ما يمكن وصفه من سياسة قمعية تنوعت بين الاعتقال والطرد من الوظائف والاغتيالات، حتى حول أردوغان تركيا إلى أكبر معتقل للسياسيين والمعارضين لسياسات أردوغان الإخوانية.

وفي رصد سريع للأعمال القمعية التي نفذها نظام أردوغان في تركيا بعد محاولة الانقلاب، يتبين حجم الاختراقات القانونية ومدى انتهاك أردوغان للقوانين والاتفاقيات الدولية ومبادئ حقوق الإنسان،  حيث تم اعتقال 169 ألف شخص والحكم بالسجن على نحو 51 ألف منهم بتهمة محاولة الانقلاب على أردوغان، كما تم طرد أكثر من 111 ألف موظف حكومي من أعمالهم بحجة ارتباطهم بمنظمة فتح الله غولن، وسحبت السلطات التركية في اختراق واضح للمبادئ الإنسانية الشهادات العلمية لأكثر من 33 ألف أستاذ جامعي و21 ألف أستاذ مدرسة، كما وأوقفت أعمال الآلاف من الأساتذة الجامعيين والمدرسين بتهم عديدة على رأسها دعم الإرهاب، وتم طرد 6383 عضوا في الهيئة التعليمية التابعة للجامعات التركية، و1200 من الموظفين الإداريين فيها.

ومارست السلطات الأمنية التركية، وبإشراف مباشر من رموز النظام التركي وعلى رأسهم أردوغان، أبشع وأقسى أنواع التعذيب في حق المعتقلين وخاصة فترة استجوابهم، وتشابهت ممارسات وأعمال التعذيب التركية مع جرائم التعذيب الداعشية، ما أثبت وجود صلات بين الطرفين على كافة الأصعدة، وأكبر دليل على ممارسة أشد أنواع التعذيب في السجون التركية هو انتحار 350 شخصا أثناء فترة التحقيق معهم.

وفي تطور نوعي للاعتقالات كشف زيف التهم التي يتم إدراجها في ملفات المعتقلين، والذين جميعهم أنسبت إليهم تهمة محاولة الانقلاب، قامت السلطات التركية باعتقال 11 من نواب مجلس النواب التركي تابعين لحزب الشعوب الديمقراطية والحزب الجمهوري، بينما تم اعتقال نحو 74 رئيس بلدية.

واستمرارا لعمليات قمع الحريات، والتعتيم على حقائق الأمور والأحداث في تركيا، لا سيما بعد محاولة الانقلاب التي زعزعت شرعية حكم الرئيس أردوغان، قامت السلطات التركية بعملية اعتقال استهدفت المؤسسات الصحفية والإعلامية التي أخذت على عاتقها نقل الحقيقة إلى العالم الخارجي، فتم اعتقال 216 صحافيا فيما تم طرد 2308 صحافيا من أعمالهم، وتعتبر تركيا والصين الأولى عالميا في اعتقال الصحفيين، وأقفلت السلطات التركية نحو 31 شبكة تلفزيونية و 5 وكالات أنباء، و62 صحيفة، و19 مجلة، و34 إذاعة راديو، و29 مؤسسة نشر، لتفوق تركيا كافة دول العالم في قمع حرية التعبير والإعلام والصحافة، وقالت بعض الإحصاءات والمصادر إن تركيا هي أكبر بلد قمعا للحريات الإعلامية في العالم كونها أكثر البلدان التي تسجن صحافيين في العالم.

وإذا ما أحصينا أعداد الذين تم طردهم من أعمالهم في كافة المؤسسات، تكون السلطات التركية قد طردت ما يقرب من 300 شخص من أعمالهم يوميا، وهو دليل آخر على عدم مصداقية السلطات في تلفيق اتهام المشاركة في محاولة الانقلاب، بل أنها استغلت الفرصة لتطهير البلاد من أي معارض لدكتاتورية أردوغان.

وتؤكد التقارير أنه بعد استغلال أردوغان لمحاولة الانقلاب في القضاء على المعارضة، لا يزال يسعى تحت ذريعة دعم الإرهاب إلى مزيد من الاعتقالات في صفوف المعارضة، لذا لجأ مؤخرا إلى محاولة إعادة الروح لتنظيم داعش بإنشاء معسكرات تدريب للتنظيم في تركيا، وغض الطرف عن أنشطته الإرهابية في المدن التركية لأجل اتخاذها ذريعة لإلصاق تهم الإرهاب في صفوف المعارضة التي تتسع يوما بعد يوم، ولأجل تعليق تهم القصور على شماعة الأجهزة الأمنية والجيش الذي لا يزال الرئيس أردوغان لا يثق به، ويسعى إلى تشكيل ميليشيا خاصة تكون موازية لمؤسسة الجيش التركي على غرار ما فعله الخميني وقت انتصار الثورة في إيران والإطاحة بالحكم الشاهنشاهي، لذا فإننا لا نستبعد أن يقوم أردوغان بتهميش الجيش وتشكيل قوة أخرى حارسة لعرشه على غرار الحرس الثوري الإيراني.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

8 يناير 2018