لم يكن أحد يتصور أن الرئيس السوداني عمر البشير الذي يعتبر من أكثر زعماء العرب نفعا واستفادة من الأنظمة العربية، يرتمي بأحضان أعداء العرب، ولم يكن أحد يصدق أن البشير الذي لم يمض عن تقديم شكره للإمارات والسعودية أكثر من شهرين لجهودها في إقناع الإدارة الأميركية في رفع العقوبات عن السودان والتي فرضت عليه قبل نحو عشرين عاما، أن ينكر الجميل بهذه السرعة ويتكتل مع أعداء الأمة العربية أصحاب المشاريع التوسعية وعلى رأسهم تركيا وإيران.

بعد أن استطاع نظام الحمدين شراء ذمة الرئيس السوداني وتبرطله، استطاعت تركيا اختراق السودان ووضع موطئ قدم لها، بعد تقديم البشير جزيرة “سواكن” السودانية هدية لأردوغان الذي يسعى جاهدا إلى إعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية التي عاثت الفساد في المنطقة العربية وارتكبت فيها أبشع الجرائم وأرجعتها قرونا للوراء، ورغم أن الهدف المعلن وهو تطوير وترميم الآثار في هذه الجزيرة، إلا أن الجميع وخاصة الرئاسة السودانية يعلمون جيدا أن الهدف التركي هو توسعي عسكري، وليس لأجل تطوير أو ترميم.

لا شك أن السياسة المتخبطة للرئيس حسن البشير، وسيطرة تنظيم الإخوان على القرار السوداني، وأساليب الترغيب القطرية والإيرانية، هي السبب وراء هكذا خطوة لا تجلب للسودان غير الأضرار والعداء مع الدول العربية، والهدف الأساسي لقطر من ذلك هو إضعاف مواقف الرباعي العربي في الأزمة الخليجية الراهنة بمحاولة زرع العداء بين دول الرباعي وبين باقي الدول العربية، أما هدف إيران فهو انتزاع السودان من الجسد العربي على غرار قطر، ومحاولة إشعال الفتن والانقسامات السياسية والشعبية في المنطقة العربية، وتركيا هدفها واضح وهو التوسع واختراق السودان ونشر الفكر الإخواني الأردوغاني في أفريقيا.

لقد لعبت دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية الدور الأبرز والفعال في رفع العقوبات الأميركية عن السودان، والتي من خلالها سمحت للبنوك الدولية بإجراء كافة التحويلات المالية مع السودان، ويمكن للمواطنين والشركات الأميركية إجراء تحويلات مالية مع نظرائهم في السودان، وأصبح من الممكن للأمريكان التصدير والاستيراد من السودان، الأمر الذي كان ممنوعا بموجب العقوبات، ورفع كل الحظر المفروض على الممتلكات والمصالح بموجب العقوبات، كما تعتبر الدول الخليجية من أكثر الدول المضيفة للجاليات السودانية، ومن أهم الدول المانحة والمساعدة للسودان، حيث قدمت العديد من المساعدات الإماراتية والسعودية للسودان على شكل منح أو قروض، بما أسهم في دعم الاقتصاد السوداني ويكفينا ذكر أن قيمة الاستثمارات الإماراتية التراكمية في السودان تتجاوز 18 مليار درهم.

في حين لم تقدم تركيا وإيران وقطر للسودان سوى الإرهاب وزرع الفتن والإنقسامات، وقد عانت السودان كثيرا من التدخلات الإيرانية والسيطرة الإخوانية، وبرزت معارضة قوية ترفض النزعة الإخوانية وسيطرة فكرهم على سياسات الدولة، وقد عاودت هذه المعارضة الظهور مجددا على الساحة وبقوة بعد منح جزيرة سواكن لتركيا، حيث لا تزال هذه المعارضة تتسع في ظل غضب داخلي شديد واستياء سياسي لما قام به البشير بمنحه سواكن لتركيا بقرار شخصي متفرد، حيث يعتبر ذلك خيانة للدولة السودانية وللدول العربية في آن واحد.

ومن المتوقع أن تخرج مظاهرات احتجاجية على قرار الرئيس السوداني بمنحه أراض سودانية لأنقرة، لا سيما أن ذلك يمس السيادة الوطنية للسودان ويثير العداء مع الدول العربية الأخرى وخاصة السعودية والإمارات والبحرين ومصر التي يعمل بها مئات الآلاف من السودانيين، وتربطها معها علاقات تجارية كبيرة، ولها تاريخ طويل في تقديم يد العون والمساعدة للشعب السوداني الشقيق، وسيشكل هذا القرار عبأ سياسيا وشعبيا على الصعيد الداخلي والعربي على الرئيس السوداني عمر البشير.

مركز المزماة للدراسات و البحوث

9 يناير 2018