تجمعت وتشابكت مجموعة من الظروف التي جعلت من تركيا حاضنة جغرافية لمجموعات وعناصر إخوانية ذات أهداف ومشروعات متباينة التوجه والأهداف والغايات، وتحولت أسطنبول لدى أحدث موضة إخوانية خلال السنوات القليلة الماضية إلى فندق كبير وقاعات ندوات واستوديوهات معزولة عن المراقص والملاهي والبارات التي تعج بها تركيا، وبالنسبة لورثة حسن البنا وسيد قطب الذين يقيمون في تركيا ويعرجون أحيانا إلى العاصمة القطرية الدوحة لاستلام التوجيهات والمخصصات والميزانيات التي تبعث الروح في قنواتهم ومواقعهم، بالنسبة لهم جميعاً لم يعد الفكر المتطرف هو ما يجمع بين خلاياهم الإخوانية، بل إن ما يوحدهم شكلاً ويفرقهم تخصصاً هو الممول والمخطط الذي يرسم لكل خلية إخوانية أهدافاً مختلفة تتلاءم مع المطلوب منها تنفيذه أو تهييجه أو تخريبه في بلدانها !

المجموعة الإخوانية السورية تحظى برعاية تركية مباشرة تقترب من الوصاية التي تليق في نظر الأتراك بمن يعتبرونهم حكام المستقبل في سوريا أو الشركاء الأساسيين، وتقيس تركيا هذا التوصيف أو تعتمده بناء على حضور إخوان سوريا وصوتهم العالي بين تشكيلات المعارضة الفندقية ومجالسها واجتماعاتها ومناصبها، وليست اليد القطرية ببعيدة عن الطبطبة على الجناح السوري لأن القطريين أدمنوا كالعادة لعبة تشجيع الإخوان والمراهنة على تطلعاتهم المتهافتة على السلطة حتى لو كانت عبارة عن منبر ندوة مكررة المضمون والمحتوى والوجوه.

يجتهد إخوان سوريا في الصراخ ورفع الصوت والحضور في كل صغيرة وكبيرة تخص المعارضة الفندقية في تركيا، والهدف بالطبع هو ضمان نصيب من كعكة سلطوية مستقبلية لا تزال في علم الغيب.

الدور التركي المساند لخلايا الإخوان العربية يتجه في كل الأحوال إلى الاكتفاء بلعب دور استخباراتي تنسيقي لاستلام ثمن الاستضافة على شكل تلميع إخواني لنظام العدالة والتنمية، الحزب التركي الحاكم الذي يقول أحد أبرز مؤسسيه أنه أنجز القليل من التنمية وافتقد إلى الكثير والكثير من العدالة وجففها من المجتمع التركي من أجل عيون أردوغان، وعليه فإن دور مجموعات الإخوان الهاربين والمقيمين في رعاية حزب أردوغان ومخابراته هو تجميل وجه تركيا الذي ازداد قبحاً، وبخاصة بعد عمليات الاعتقال التي شملت آلاف الأتراك بحجة معاقبة الانقلابيين وتجفيف تطلعاتهم إلى الأبد كما يتوهم.

يتبقى إخوان مصر الذين يعتبرون ورقة ابتزاز للنظام المصري والشعب المصري وكل الدول التي تؤيد استقرار مصر وتقدمها، وهذه الورقة تلعب بها قطر وتركيا وعدة مخابرات دولية أجنبية ترى في عجائز إخوان مصر حصان طروادة الذي لن يستخدم ولكن يرون أن هناك فوائد من الاستمرار في تقديم العلف والغذاء له.

أكبر داعم وممول لإخوان مصر في تركيا وأماكن أخرى هي قطر، وتدفع لهم مقابل الاستمرار في تشغيل مجموعة أدوات إعلامية تليفزيونية وأنترنيتية، هدفها واشتغالها الأساسي يقوم على استخدام نمط برامج الـ “توك شو” لتحويل السياسة من خطاب جاد له أهداف كبرى تتعلق بتأمين استقرار الشعوب وحماية مكتسباتها إلى الترويج لعروض سياسية مسرحية تعتمد على المناكفة والمكايدة والتهريج والانتقام الساذج.

ينتقم إخوان مصر من على منصات قطرية تبث من تركيا لإرضاء نفسياتهم المقهورة والمريضة بعد خروجهم الذليل من السلطة في القاهرة، ولم يفكروا قليلاً أن خروجهم تم بأيديهم أولاً، لأنهم لم يراجعوا سلوكهم الذي تحول أثناء فترة المخلوع مرسي إلى تغول وافتراس استهدف إعلام مصر وقضاء مصر وأمن مصر وكل من يختلف معهم بل واستهدف بيع أسرار مصر والمتاجرة بها طبقاً للأحكام القضائية التي صدرت.

وبالنسبة لأفراد الإخوان الهاربين من منطقة الخليج إلى تركيا بتذاكر قطرية، نجد أنهم لا يستحقون الذكر، لأنهم مجرد صعاليك بلا مشروع في ظل استقرار منطقة الخليج وعدم تقبلها للأخونة ومشاريع التخريب المكشوفة.

بقي أن نذكر خلية إخوان اليمن الذين انقسموا بسبب المال القطري إلى أجنحة متصارعة على المال والنفوذ وعلى كعكة السلطة المنتظرة بعد الخلاص المتوقع من انقلاب الحوثيين. وتستضيف تركيا الجناح الإخواني الأكثر طاعة للدوحة، التي تمول أكثر من قناة إعلامية بينها قناة فضائية يديرها إعلامي يمني سبق أن أدار قناة تليفزيونية إيرانية المنشأ والتمويل والأهداف لا تزال تبث من بيروت، واقتضت طبيعة الانقسامات أن ينحاز جناح إخوان اليمن الموالي لقطر ولنقودها إلى ما يشبه المهادنة مع الحوثيين والدعوة المفاجئة والمتكررة إلى الحوار معهم، بذريعة بطء عمليات التحالف العربي لدعم الشرعية.

وهكذا جمعت تركيا بين المتردية والنطيحة وما أكل السبع من خلايا الإخوان التي تتخبط وتتلون بناء على طلبات الممول والمستضيف، وهناك أصابع إيرانية تستغل حالة الإخوان بفروعهم وخلاياهم وظروفهم البائسة في تركيا، وتتقاسم الدوحة مع طهران وأسطنبول توجيه تلك الخلايا وتوظيفها لمشروعات غامضة، إلى أن تحول التآمر والارتهان إلى نمط حياة وأسلوب تفكير لدى الإخوان المتأسلمين القابعين في تركيا.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

٩ يناير ٢٠١٨