تدخلت تركيا في الأزمة السورية بكل مفاصلها وفصائلها بما فيها فصائل الإرهاب التي تصول وتجول في مناطق سورية عديدة باسم ثورة على مقاس الداعم التركي الذي يريد في الواقع أن تصبح سوريا خرابة كبيرة بلا أفق لأي نوع من الحلول في المستقبل. ورغم ذلك لم تقدم تركيا مقابل عبثها في سوريا ما يخفف عذابات السوريين ويقيهم شرور ومخاطر التفكير بركوب الأمواج العاتية للهرب إلى أوروبا.

وعندما نتذكر قوارب الموت التي كانت تقل آلاف المهاجرين من اللاجئين عبر شواطئ تركيا باتجاه اليونان، نجد أن وسائل الإعلام العالمية كانت حينها وحتى اللحظة منشغلة بتسويق الصور المرعبة والحزينة عن جثث الغرقى في مياه البحر وعلى الشواطئ، بينما لم يتم إجراء تحقيقات شاملة وشفافة حول الدور التركي الرسمي القذر في هذا الملف، ومجمل الممارسات التي حولت اللاجئين إلى كائنات قابلة للتصدير والشحن وتعريض حياتها للخطر، ناهيك عن إغراق أوروبا باللاجئين، الذين كانت تركيا مجرد محطة عبور غير آمن لهم، ولم تقدم إلا القليل لنماذج من السوريين الذين كانت تعرف أنهم قادرين على التكفل مع الوقت بأمور معيشتهم من خلال الانخراط في عالم الاستثمار والمشروعات الصغيرة التي أحيت الكثير من المناطق التركية، رغم قلة الأجور والاستغلال الذي عاناه السوريون. بينما لم تقابل السلطات في تركيا المتضررين والمحتاجين للأمان والرعاية ممن لا يمتلكون رؤوس أموال، وسمحت لتجار البشر الجاهزين ببيعهم للمهربين، رغم احتمالات الموت غرقاً، وهو ما كان يحدث للكثيرين كباراً وصغاراً.

يتذكر المتابع للأخبار كذلك مخيمات اللاجئين على الحدود ما بين سوريا وتركيا، وأيضاً المخيمات داخل تركيا نفسها، فأوضاع اللاجئين في مدينة غازي عنتاب على سبيل المثال تحفل بمئات القصص التي تختزل الشعور بالغربة والقسوة في التعامل، وكانت السلطات التركية تميل إلى التركيز على شكاوى السكان المحليين الأتراك وتتخذ على ضوء ذلك إجراءات بحق اللاجئين في مقدمتها الترحيل والاحتجاز في مخيمات أشبه بمعتقلات.

قصص اللاجئين السوريين وهروبهم إلى أوروبا عبر تركيا كمحطة عبور طاردة تحتاج إلى توثيق، ولم يكتب عنها حتى الآن ما يصور تفاصيل المعاناة التي عايشها الهاربون من جحيم الحرب السورية إلى جحيم شتاءات تركيا التي لا ترحم.

في هذا الملف الشائك كانت السلطات التركية تتباهى وتتفاخر بين فترة وأخرى بإعادة تكرار خبر افتتاح مخيمات اللجوء الكبرى التي يتم التعتيم على ما يدور داخلها وعلى ما تحتويه من إمكانيات متواضعة، بدليل أن من أتيحت لهم الفرصة للهروب من تلك المخيمات لم يترددوا للحظة، رغم مخاطر مغامرة الرحيل من تركيا بحراً، واستغلال العصابات والمهربين لظروف اللاجئين وسلب أموالهم القليلة مقابل وعود إيصالهم إلى بر الأمان المستحيل!

من ضمن أخبار مخيمات اللاجئين السوريين في تركيا، خبر افتتاح أكبر مخيم تم في أواخر يناير من عام 2015، تقول التفاصيل أنه يستوعب 35 ألف شخص ومقره في مدينة سوروتش

وطبقاً لإحصاءات متداولة فإن تركيا استقبلت عملياً بحسب سجلاتها ما لا يقل عن 1.7 مليون لاجئ سوري منذ 2011. لكن قصص مغادرة اللاجئين لتركيا ظلت الأكثر تداولاً من حكايات من تقول الحكومة التركية أنها قدمت لهم الرعاية النموذجية التي لم يسمع بها أحد بالفعل. ورغم الدور المشبوه لتركيا في الأزمة السورية والذي كان يتطلب منها على الأقل المزيد من التعامل الإنساني مع السوريين الهاربين، إلا أن التخبط والاستغلال والعبث انتقل أيضاً من ملف الحرب الميدانية إلى ملف اللاجئين الذين لم يجدوا الأمان المرتجى الذي يبحث عنه أمثالهم في الظروف القاسية.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

٩ يناير ٢٠١٨