لم يجد النظام الإيراني ما يقوله للداخل والخارج بعد الاضطرابات العنيفة التي شهدتها مدن إيران سوى توجيه الاتهامات لأصابع خارجية بتحريك الاحتجاجات والمظاهرات العنيفة. وكانت الأيام الماضية قد مثلت لنظام طهران زلزالاً سياسياً مرعباً لأنها أطلقت العنان لغضب شعبي واسع ضد أسس الخمينية، ولا أحد يعلم إلى أين ستفضي التطورات لأن نار الغضب أصبحت كامنة تحت رماد رد الفعل الأمني ولا تزال قابلة للاشتعال في أي وقت.

وبالتزامن مع أحداث إيران خسر الحوثيون مناطق جديدة كانت تحت سيطرتهم، وظهرت انتصارات الجيش الوطني اليمني المتتابعة في الساحل الغربي وشمال وجنوب شرق اليمن وكأنها رسالة قاسية جاءت في الوقت غير المناسب على الإطلاق لطهران، التي كانت منشغلة بلجم التظاهرات ومحاولة تهدئة جبهتها الداخلية المشتعلة.

ولأن الحركة الحوثية مجرد صوت وذراع إيراني مكشوف، انهارت معنويات الحوثيين بالتزامن مع الفوضى في إيران، وتبادل الطرفان الشعور بالرعب والانهزام، فلم يكن أمام الحوثيين سوى إطلاق تصريح انتحاري يدينهم أمام المجتمع الدولي ويقطع الطريق في المستقبل أمام دعوات التفاوض معهم، وذلك بمغامرتهم بالتصريح بإمكانية القرصنة ووقف الملاحة الدولية في البحر الأحمر نهائياً!

جاء ذلك على لسان القيادي الحوثي الذي يترأس ما يسمى بمجلس الحكم غير المعترف به. وأضاف الحوثيون بوقاحة أن خطوة وقف الملاحة في مياه البحر الأحمر تعتبر خياراً استراتيجياً قد يستخدمونه في الوقت المناسب. في حين كانوا يتحرجون في السابق أثناء التواصل مع مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن من إطلاق تصريحات مماثلة، لأنهم كانوا يرغبون بشرعنة انقلابهم عبر المفاوضات بإشراف أممي.

المراقبون للأحداث الدراماتيكية في إيران ومناطق نفوذ الحوثيين في اليمن يرجحون أن التلويح بتهديد الملاحة البحرية في منطقة البحر الأحمر هو قرار إيراني تحتاجه طهران كثيراً لتخفيف الضغط على جبهتين: جبهة الداخل الإيراني المشتعل شعبياً وفي أعماق بعض مؤسسات النظام الأمنية، وكذلك جبهة مناطق نفوذ الحوثيين الإنقلابيين التي تتآكل على وقع انتصارات الشرعية المدعومة من قبل التحالف العربي.

تتناقص حظوظ الحوثيين بمواصلة الإنقلاب كلما انشغلت إيران عنهم بشؤونها وصراعاتها مع الغرب وإعادة ترتيب أولوياتها في اتجاه إجباري نحو إزالة آثار فوضى المظاهرات التي لا تضمن إخمادها نهائياً. وهذا ما دفع الحوثيين أيضاً إلى جانب التلويح بقطع الملاحة اتخاذ إجراءات في بعض المناطق فيها ملمح جديد للحشد والتعبئة العسكرية لتجميع المزيد من المقاتلين من صفوف المجتمع بالإكراه، عبر ما يعرف بالتجنيد الإجباري في صفوف أبناء الريف البسطاء المنهكين اقتصادياً وأمنياً.

غير أن تهديدات الحوثيين المتعلقة بالملاحة سوف تتحول إلى نقمة ضدهم، لأن الملاحة في البحر الأحمر ليست مجالاً لمناورات من هذا النوع، وإذا حدثت بالفعل بوادر لتخريب الملاحة في ذلك الشريان الدولي المهم فإنها سوف تؤدي إلى لفت الانتباه أكثر لخطر الحوثيين الذي يتجاوز الساحة اليمنية والجزيرة العربية إلى أبعد من ذلك. وبالطبع فإن أي أعمال إرهابية تتخذ طابع القرصنة الدولية من الأمور التي تقلق العالم وتدفعه إلى اتخاذ إجراءات احترازية وعقابية صارمة. وفي هذه الحالة تفتح إيران على الحوثيين وعلى نفسها أبواب جهنم. لكن التوقعات تشير إلى أن التهديدات الساذجة بخصوص أمن الملاحة في البحر الأحمر سوف تبقى في خانة الاستعراضات اللفظية لا أكثر، وهذا ما تجيده إيران ومن يلتحقون بطابورها في المنطقة عندما تشتد الضغوط التي تحاصر مخططاتهم.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

٩ يناير ٢٠١٨