انخرطت تركيا مؤخرا في معسكر دعم الإرهاب سياسيا وميدانيا بشكل صريح، بعد أن استطاع الرئيس أردوغان تحويل البلاد إلى نظام ديكتاتوري مرهون بالفكر والأهداف الإخوانية، فكان من التناقض أن يستمر في دعاياته الإعلامية في الترويج لمحاربة الإرهاب، في حين أنه يتقرب يوما بعد يوم من إيران وقطر.

وشكليا لا تزال تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، ولكن في المضمون فقد خرجت عنه بعد ثبوت دعمها للإرهاب في الدول الأوربية ورفض الأخيرة انضمام تركيا إليها لأسباب عديدة أهمها القمع والاضطهاد ودعم الإرهاب …الخ، بل أصبحت أقرب إلى روسيا العدو الرئيسي للاتحاد الأوروبي، بعد أن تحولت أنقرة إلى مشتر مهم للأسلحة الروسية، واقتربت إلى تشكيل حلف علني لدعم الإرهاب والتطرف مع قطر وإيران بعد أن كانت تدعي محاربتها للجماعات الإرهابية.

لذا فإن تقارب أنقرة مع قطر وإيران يمثل اعترافا تركيا صريحا بتورطها في دعم الإرهاب وأدوات زعزعة أمن واستقرار دول المنطقة.

فبعد أن كانت بعض الدول ترى أن تركيا قد تساهم في إيجاد حلول لأزمات المنطقة وخاصة سوريا، أصبحت الآن تراها داعما رئيسيا للإرهاب، ولا يمكن اعتبارها سوى طرفا من المشاكل لا جزء من الحلول.

ما جر تركيا إلى مستنقعات خطيرة ومغامرات أخطر هو اندفاعية تنظيم الإخوان وتخبطه في عملية إدراك المسائل ودراسة الحسابات وتقييم السلوك وتقدير النتائج بعد أن أوشكت سفينته على الغرق من كثرة الضربات التي تلقتها من قبل الشعوب العربية وخاصة في مصر، فأصبحت المغامرة بالدولة التركية وجرها إلى تحالف مع محور الشر بمثابة المقامرة الأخيرة، وقشة الغريق التي يتشبث بها تنظيم الإخوان وإيران.

وبالفعل فإن تحرك أردوغان باتجاه قطر وإيران هي مغامرة بالدولة التركية من الناحية السياسية والاقتصادية والعسكرية، لما ستضعه من مشاكل تفوق حجم تركيا إقليميا وعالميا، فتحالف أردوغان مع دعم الإرهاب سيجعله يصطدم مع عملية مكافحة الإرهاب التي تقودها قوى عالمية وإقليمية، ما يعني مزيدا من الإنحدار نحو العزلة، وإذا أصرت تركيا على دعم الأنشطة المزعزعة لأمن واستقرار دول المنطقة فإنها بالتأكيد ستتعرض لعقوبات اقتصادية من قبل دول إقليمية وعالمية لها تأثيرها القوي على الاقتصاد الإقليمي والعالمي، وهذا بحد ذاته سيفاقم الأزمات والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي بدأت بتحريك الشعب التركي ضد نظام أردوغان، وعسكريا فإن توريط الجيش التركي الذي يعتبر قوة إقليمية في نشر قواعد عسكرية معادية لأمن دول المنطقة، ومحاولة أردوغان الزج به في صراعات قطر وإيران مع القوى العالمية، سيضع الجيش التركي بين خيارين، إما الانقلاب على أردوغان، وإما استنزاف قواته ووهن تماسكه وضعف تسليحه.

من هنا، يمكننا القول إن تركيا خسرت الكثير من انعطافها نحو قطر وإيران، وبالتالي اختارت الابتعاد عن منظومة المجتمع الدولي وأعلنت براءتها من مكافحة الإرهاب، وأدت سياسة أردوغان الأخيرة في تمدده في الدول الأفريقية إلى توسيع دائرة العداء لتركيا، لما شكلته تلك التحركات من تهديد علني لأمن بعض الدول، مثل سيطرته على جزيرة سواكن السودانية وما يشكله ذلك من خطر صريح على الأمن القومي المصري والسعودي أيضا، وكذلك وقوفه بجانب النظام الإيراني ضد الشعوب الإيرانية في الانتفاضة الأخيرة التي عمت أرجاء المدن الإيرانية.

ومن الناحية الشعبية فقدت تركيا ثقة الشعوب العربية والإسلامية وخاصة الخليجية بعد وقوفها إلى جانب قطر في الأزمة الراهنة، وإلى جانب إيران في أنشطتها العدائية تجاه الدول العربية، وأثبتت أنقرة أن غايتها هو تدمير الدول بنشر الفوضى الخلاقة والفتن والاقتتال ليتسنى لها إعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

9 يناير 2018