تحولت الاحتجاجات الشعبية الإيرانية إلى جمر مشتعل مدفون مؤقتاً تحت رماد جنون النظام الذي لم يتأخر عن استخدام كافة الوسائل لوقف التظاهرات. ولاشك أن زلزال الغضب الشعبي أرعب نظام رجال الدين، ويتطلب الوقوف عنده للخروج باستخلاصات وحقائق ونتائج ما بعد الصدمة التي حدثت، وما الذي سوف يترتب عليها في المستقبل، وما هي آراء المحللين الذين رصدوا هذا الحدث الساخن وتداعياته؟

ضمن التحليلات العميقة التي استخلصت النتائج من وحي مراقبة سير الاحتجاجات، تعتقد الباحثة الأمريكية هولي داغريس أن خلاص العراق من تنظيم “داعش” بدعم إيراني مكثف مالياً وعسكريا، هو مادفع الإيرانيين على المستوى الشعبي إلى التساؤل حول الثمن والجدوى من ضخ الأموال الإيرانية على دول الإقليم، وما الذي سوف تجنيه إيران من وراء ذلك؟ فعندما احتفل العراقيون بانتهاء سيطرة “داعش” على أجزاء من العراق انفتح أفق أوسع للاستقرار، بينما  لا يوجد أي تقدم اقتصادي أو ثمن متوقع أو منتظر يمكن أن يحصل عليه الشعب الإيراني من وراء كل المعارك التي تشارك فيها أو تمولها حكومته.

من ناحية أخرى ركز تحليل نشره كارنيغي “للشرق الأوسط” على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية في إيران وأهميتها في تحديد وجهة الغضب الشعبي ونضوجه في هذا التوقيت، نظراً لسياسات محددة اتخذها الرئيس الحالي حسن روحاني، وانها بالتحديد كانت وراء اشتعال التظاهرات في مدينة مشهد يوم 28 ديسمبر الماضي، رغم أن مشهد بيئة للمحافظين التقليديين المنحازين لقواعد النظام القائم. ومن ضمن الأسباب المباشرة أن حكومة روحاني تنوي اسقاط 35 مليون من قائمة من يتلقون مساعدات مالية حكومية. وهذا الإجراء سيكون قاتلاً ومسبباً لموجة غضب أقوى من التي سبقت.

وبدورها رصدت الباحثة الإيرانية والناشطة الحقوقية تارا سبهري فار، حجم رد الفعل الرسمي تجاه المظاهرات وأن إيران – بحسب تعبيرها – تفوقت على نفسها في القمع وإسكات الناشطين. واعتبرت أن المخاوف والضغوط الاقتصادية بالفعل كان لها دور كبير في “دفع عشرات آلاف الإيرانيين الذين لم تكن لديهم في السابق أية انتماءات سياسية أو انتماءات إلى مجموعات ناشطة، إلى التعبير عن امتعاضهم الشديد، والمطالبة بإعارتهم آذاناً صاغية في الحال”.

على ضوء ما سبق يمكن الخروج بالنتائج والاستخلاصات التالية بإيجاز:

  • خلافاً للعقود والسنوات الماضية التي كان الإيرانيون خلالها ينفعلون مع شعارات الثورة الإسلامية ويعتادون على استهلاك تلك الشعارات والتضحية والصبر على المصاعب الاقتصادية والحياتية .. حدث تطور جديد وتحول نوعي في التفكير، بحيث أصبح الإيرانيون ينتظرون ويطالبون بتحسين حياتهم. ولم تعد الشعارات والمبررات القديمة تسكتهم أو تخدعهم. كما ان تصالح إيران مع الغرب بعد الاتفاق النووي والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة لم يقدم لهم أي جديد على صعيد انتعاش الاقتصاد وسوق العمل ونسبة البطالة، والدرس المستفاد من التظاهرات الأخيرة أن الإيرانيين لن يسكتوا مجدداً ولم تعد الشعارات القديمة مناسبة لهم في هذا الوقت الصعب والمختلف.
  • التظاهرات الأخيرة عملت على تغيير تفكير الإيرانيين وفتحت الأبواب أمامهم لامتلاك أداة ترعب النظام وتفتح الأمل للتغيير والخلاص من النظام الكهنوتي الذي يستثمر أموالهم في تخريب الدول الأخرى.
  • مهما نجحت إيران الرسمية في التوغل والتدخل الخارجي وحققت لنفسها نفوذاً إقليميا عبر أذرع طائفية ومذهبية تشرعن استقطاب التدخل الإيراني، فطالما وأضاعها الاقتصادية الداخلية مهترئة فإن انتصاراتها الشكلية في الخارج عبر التدخلات لن تحميها من شعبها وبالتالي لا قيمة لها على الإطلاق في ظل وجود تهديدات جذرية للنظام من داخل الشعب الإيراني نفسه الذي يمثل الحاضنة الأكثر احتياجاً للتملق والإرضاء لكي يحمي النظام ويتوقف عن التظاهر ضده في المستقبل، أما دعم الحوثيين أو المليشيات العراقية أو حزب الله اللبناني أو القتال من أجل بشار الأسد، فكل ذلك لا يشكل للنظام الإيراني رصيداً في الداخل، وسوف يظل مهدداً من قبل الإيرانيين وأجيالهم الشابة المتطلعة للحرية.
  • الاستخلاص الثاني أن العقيدة السياسية والدينية التي أنشأها الخميني واختطف الحكم واحتكره مع رجال الدين باسم ولاية الفقيه لن يصمد ولن تفيده الخلفية المذهبية الشيعية، لأن مصالح الناس واحتياجاتهم الضرورية وتطلعاتهم لبناء مستقبل آمن ومزدهر لأطفالهم تتغلب على يوتوبيا النظام وخرافاته.
  • أخيراً لن يفيد القمع ولا التحكم بأدوات ومواقع التواصل الاجتماعي عبر الأنترنت، لأن الأجيال الجديدة تعرف كيف تستخدم طرقاً متعددة لكسر الحجب وتحقيق درجة أعلى من التواصل والتنسيق عندما ترغب في ذلك.
  • تكشف ردود الأفعال العالمية المتضامنة مع الاحتجاجات الشعبية في إيران عن دلالات تشير إلى أن سمعة النظام الإيراني على المستوى الدولي تتآكل، ولم يعد لديه أصدقاء سوى روسيا لأسباب مصلحية مباشرة معرضة للانتهاء. وبالتالي فإن ارتكاب النظام الإيراني لموجات الاعتقال والعنف بحق المحتجين حالياً أو في المستقبل لن تمر بسهولة على المستوى الحقوقي العالمي. وكانت احتجاجات الأسبوعين الماضيين قد أدت إلى عقد جلسة لمجلس الأمن لمناقشة الأوضاع في إيران، ورغم أنها لم تخرج بنتائج حاسمة يكفي أنها شددت على الدعوة لاحترام حقوق الإنسان، وإذا ما اندلعت موجة تظاهر جديدة سيكون العالم شاهداً على سلوك نظام طهران.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

١٠ يناير ٢٠١٨