شهدت تونس بوادر غضب شعبي متزايد، ويبدو أن التداعيات ستعصف هذه المرة بحركة النهضة، الواجهة الحزبية لجماعة الإخوان. وقد عصفت بها بالفعل معنوياً وأصبحت سمعتها في الشارع مرتبطة بالتسلط والتبرير للقرارات التي تمس حياة التونسيين اقتصادياً.

وكانت حركة النهضة رأس حربة في ربيع تونس الذي سقط على إثره نظام بن علي. لكن الهتافات التي نادى بها المحتجون حينها أصبحت ترفع في وجه النهضة أيضاً وشريكها في الحكم هذه الأيام. ومنذ أن ارتبطت الحركة بشراكة  في السلطة وهي لم تشبع من كراسي المسؤولية، كما لم تقدم جديداً ينتقل بالتونسيين إلى حياة مختلفة. وأصبحت تستعير الخطاب الحكومي والمبررات الاقتصادية ذاتها التي ترد على لسان الحكومات التونسية.

وللسلطة عند الإخوان المتأسلمين مذاق يفتح شهيتهم ويجعلهم يتاجرون بالخطاب الديني وشعاراته للضحك على ذقون الجماهير، وعندما يصلون إلى الحكم أو يشاركون في بعض مفاصله يتناسون كل شيء.

التحركات الراهنة في تونس ذات قضايا ودوافع مطلبية بسيطة جداً، وكان محركها الأول بحسب التغطيات الإعلامية هو الارتفاع في أسعار الخبز. بناء على إجراءات حكومية جديدة أدت إلى تلك الارتفاعات. في حين ظهرت حركة النهضة الإخوانية في موقع المدافع عن الإجراء الحكومي القاسي. وبذلك يحلل الإسلاميون لأنفسهم ما يحرمونه على غيرهم. فلو كان إخوان تونس في هذه المرحلة خارج السلطة كنا سنشاهدهم يتظاهرون مع الغاضبين في الشوارع ويستغلون مطالبهم، ولكن لأنهم شركاء في السلطة التي تحكم تونس لم يكن لهم وجود في التظاهرات الجديدة.

قانون المالية الجديد في تونس والمعتمد أيضاً من قبل حركة النهضة كان سبباً في اندلاع أحداث الشغب والتظاهرات العنيفة التي شهدتها أجزاء من تونس، ورافقتها أعمال عنف  وقُتل فيها أحد المحتجين، وتركزت في مدن الشمال والجنوب التونسي، بعد قرارات حكومية بفرض ضرائب جديدة ورفع أسعار بعض المواد الاستهلاكية.

صحيح أن حركة النهضة شريكة فقط في الحكم إلى جانب حزب نداء تونس، لكن نوابها في البرلمان التونسي كانوا على اطلاع وكان بوسعهم رفض القانون. ولم تصدر مواقف إيجابية حتى بعد اندلاع ما أصبحت تعرف باحتجاجات الخبز. على العكس كان موقف حركة النهضة في بيانها الصادر أقرب إلى الخطاب الحكومي ومستعيراً الكثير من مفرداته، مثل الحديث عن من وصفهم بالذين استغلوا المطالب المشروعة للتونسيين، ووصف الاحتجاجات بأعمال التحريض على الفوضى والتخريب والنهب، ومما جاء في البيان حرفياً التنديد بما أسماه “انحراف بعض الاحتجاجات وتعمُّدها التخريب والنهب والاعتداء على مؤسسات الدولة وأجهزتها واستهداف الممتلكات العامة والخاصة”.

ثم الدعوة إلى “التهدئة والتعقل وتغليب المصلحة الوطنية ودعم جهود أجهزة الأمن والجيش الوطنيين لتحقيق الأمن والاستقرار ..”.

هذا الخطاب السلطوي لحركة النهضة التونسية جعل الأغلبية المتضررة من التونسيين تستجيب لدعوات المعارضة بالتظاهر. ويتساءل المتابع، ترى كيف سيكون خطاب حركة النهضة فيما لو حكمت منفردة؟ لا شك أنها ستقمع المحتجين بقسوة بالنظر إلى الاتهامات التي وجهتها إليهم ضمنياً، رغم أن الحركة مجرد شريك في الحكم.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

10 يناير 2018